أجيب: بأن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة العنصر، بعيدة عن مناسبة الروحانيات شديدة الميل إلى الطباع البهيمية والأخلاق الذميمة فإن سماعها لذكر الله تعالى يزيدها قسوة وكدرة، مثاله أن الفاعل الواحد تختلف أمثاله بحسب اختلاف القوابل كنور الشمس يسود وجه القصار ويبيض ثوبه، وحرارة الشمس تلين الشمع وتعقد الملح، وقد نرى إنساناً واحداً يذكر كلاماً واحداً في مجلس واحد فيستطيبه واحد ويستكرهه غيره وما ذاك إلا بحسب اختلاف جواهر النفوس، ولما نزل قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} (المؤمنون: 12)
الآية وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حاضر وإنسان آخر فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} (المؤمنون: 14)
قال كل واحد منهما {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (المؤمنون: 14)
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اكتب فكذا نزلت» فازداد عمر رضي الله عنه إيماناً على إيمانه وارتد ذلك الإنسان. وإذا عرف ذلك لم يبعد أن يكون ذكر الله تعالى يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية ويوجب القنوط والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة.
وقيل: من بمعنى عن أي: قست قلوبهم عن قبول ذكر الله وجرى على ذلك الجلال المحلي {أُوْلَئِكَ} أي: هؤلاء البعداء {فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: بين قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر رضي الله عنه وفي أبي بن خلف.
وقيل: في علي وحمزة وأبي لهب وولده، وقيل: في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل.
{اللَّهِ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ}
أي: القرآن روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا: حدثنا فنزلت وكونه أحسن الحديث لوجهين؛ أحدهما: من جهة اللفظ،