قولهم: {لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً} [الصافات: 168] أي: كتاباً ووَحْياً مُنزلاً {مِّنَ الأَوَّلِينَ} [الصافات: 168] كالذي أُنزِل على الرسل السابقين {لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} [الصافات: 169] وعجيبٌ منهم أنْ يبرروا شركهم بهذه الحجة، وقد جاءهم سيد المرسلين جميعاً، فالرسل السابقون كانوا محدودي الرسالة زماناً ومكاناً، وكانوا جميعاً قبل رسول الله مُكلَّفين بنقل حكم الله إلى الخَلْق، أمَّا رسول الله: فهو الرسول الوحيد الذي فُوِّض من الله أنْ يُشرِّع للخلق؛ لأن رسالته عامة في الزمان وفي المكان إلى قيام الساعة.
إذن: كيف تريدون ذِكْراً من الأولين، ومعكم خاتم الرسل المشرِّع الذي تأتيه من الله القضية الكلية فيُبيِّنها ويشرحها ويُفصِّلها.
وقوله: {فَكَفَرُواْ بِهِ} [الصافات: 170] يعني: لما جاءهم الرسول الذي يطلبونه كفروا به. إذن: المسألة مسألةَ لَجَج وعناد وكبرياء في قبول الحق والانقياد له {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الصافات: 170] حَرْفا (السين) و (سوف) يدلان على الاستقبال، لكن سوف أبعد في الزمن من السين.
فقوله تعالى {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الصافات: 170] احتياط زمني من القرآن الكريم، فالفعل {يَعْلَمُونَ} [الصافات: 170] مضارع للحال وللاستقبال، أما سوف فهي للمستقبل البعيد عن مستقبل السين؛ ذلك لأن المعاصرين لنزول القرآن منهم مَنْ سيموت قبل أنْ يرى عاقبة المشركين، وقبل أنْ يشهد ظهور الإسلام وانتصاراته.
فإنْ كان قد مات قبل أنْ يعلمَ فسوف يعلم في الآخرة ويرى العاقبة، هذا لغير المؤمن، أما المؤمن فليس في حاجة إلى هذا العلم؛ لأنه صدق الله فيما أخبر، ومن ذلك قول الإمام علي رضي الله عنه. لو كُشِف عني الحجاب ما ازددتُ يقيناً.
لذلك لما نزل قول الله تعالى - وكان المسلمون في كَرْب وشدة وضيق قبل الفتح:
{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] والسين تدل على المستقبل القريب تعجب سيدنا عمر وما أدراك ما عمر، كان القرآن ينزل على مقتضى ما يرى، ومع ذلك تعجَّب وقال: أيُّ جمعٍ هذا ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا وأهلنا، فلما جاء الفتح وانتصر المسلمون وحدث ما حدث قال: صدق الله
{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] .