وفي أحاديث كثيرة مثلاً حديث الإِسراء أن جبريل وجد في كل سماء ملكاً يستأذنه جبريل أن يدخل تلك السماء ويسأله المَلك: من أنت؟ ومن معك؟ وهل أُرسل إليه؟ فإذا قال: نعم ، فَتح له.
وعن مقاتل أن قوله: {وما منَّا إلا له مقامٌ معلوم} إلى {المُسبحونَ} نزل ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند سدرة المنتهى فتأخَّر جبريلُ فقال له النبي: أهنا تفارقني فقال: لا أستطيع أن أتقدم عن مكاني وأنزل الله حكاية عن قول الملائكة {وما مِنَّا إلا له مقامٌ معلومٌ} الآيتين.
ويجوز أن يكون هذا مما أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله للمشركين عطفاً على التفريع الذي في قوله: {فإنَّكم وما تعبدون} [الصافات: 161] إلى آخره ويتصل الكلام بقوله: {فاستفتهم ألربك البنات} [الصافات: 149] إلى هنا.
والمعنى: ما أنتم بفاتنيننا فتنةَ جراءة على ربنا فنقول مثل قولكم: الملائكة بنات الله والجنُ أصهار الله فما منا إلاّ له مقام معلوم لا يتجاوزه وهو مقام المخلوقيّة لله والعبودية له.
والمنفي بـ {ما} محذوف دل عليه وصفه بقوله: {مِنَّا} .
والتقدير: وما أحد منا كما في قول سحيم بن وثيل:
أنا ابن جلا وطَلاع الثنايا
متى أضع العمامة تعرفوني...
التقدير: ابن رجل جلا.
والخبر هو قوله: {إلاَّ له مقامٌ معلومٌ} .
والتقدير: ما أحد منا إلا كائن له مقام معلوم.
والمقام: أصله مكان القيام.
ولما كان القيام يكون في الغالب لأجل العمل كثر إطلاق المقام على العمل الذي يقوم به المرء كما حُكيَ في قول نوح: {إن كان كبر عليكم مقامي} [يونس: 71] أي عملي.
والمعلوم: المعيّن المضبوط ، وأطلق عليه وصف {مَعْلُومٌ} لأن الشيء المعيّن المضبوط لا يشتبه على المتبصر فيه فمن تأمّلَه عَلِمَه.
والمعنى: ما من أحد منا معشر المؤمنين إلا له صفة وعمل نحو خالقه لا يستزله عنه شيء ولا تروج عليه فيه الوساوس فلا تطمعوا أن تزِلونا عن عبادة ربنا.