فإن صحت هذه الحجة لآدم عليه السلام ، فلماذا قال موسى عليه السلام في الوكزة هذا من عمل الشيطان ، إنه عدو مضل مبين ؟ ولما قال فلن أكون ظهيراً للمجرمين ؟ ولماذا لام فرعون وجنوده على أمر كتبه الله عليهم ؟ ومن عجيب أمرهم أنهم يكفرون القدرية ، وهذا الحديث يوجب أن آدم كان قدرياً ، فلزمهم أن يكفروه ، وكيف يجوز مع قول آدم وحواء عليهما السلام:
{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَكُنتُم مّنَ الخاسرين} [الأعراف: 23] أن يحتج على موسى بأنه لا لوم عليه ، وقد كتب عليه ذلك قبل أن يخلقه ، هذا جملة كلام القاضي فيقال له هب أنك لا تقبل ذلك الخبر ، فهل ترد هذه الآية أم لا ، فإنا بينا أن صريح هذه الآية يدل على أنه لا تأثير للوساوس في هذا الباب ، فإن الكل يحصل بحكمة الله تعالى ، والذي يدل عليه وجوه الأول: أن الكافر إن ضل بسبب وسوسة الشيطان فضلال الشيطان إن كان بسبب شيطان آخر لزم تسلسل الشياطين وهو محال ، وإن انتهى إلى ضلال لم يحصل بسبب وسوسة متقدمة فهو المطلوب الثاني: أن كل أحد يريد أن يحصل لنفسه الاعتقاد الحق والدين الصدق ، فحصول ضده يدل على أن ذلك ليس منه الثالث: أن الأفعال موقوفة على الدواعي وحصول الدواعي بخلق الله ، فيكون الكل من الله تعالى الرابع: أنه تعالى لما اقتضت حكمته شيئاً ، وعلم وقوعه ، فلو لم يقع ذلك الشيء لزم انقلاب ذلك الحكم كذباً وانقلاب ذلك العلم جهلاً وهو محال ، وأما الآيات التي تمسك بها القاضي فهي معارضة بالآيات الدالة على أن الكل من الله والقرآن كالبحر المملوء من هذه الآيات فتبقى الدلائل العقلية التي ذكرناها سليمة ، والله أعلم.