فلما علم أن دليل العقل غير مفروض هنا انحصر الكلام معهم في دليل السمع وهو الخبر الصادق لأن أسباب العلم للخلق منحصرة في هذه الأدلة الثلاثة: أشير إلى دليل الحس بقوله: {وهُم شاهِدونَ} ، وإلى دليلي العقل والسمع بقوله: {أم لكم سلطانٌ مبين} ، ثم فرع عليه قوله: {فأتوا بكتابِكم إن كنتم صادقين} وهو دليل السمع.
فأسقط بهذا التفريع احتمال دليل العقل لأن انتفاءه مقطوع إذ لا طريق إليه وانحصر دليل السمع في أنه من عند الله كما علمت إذ لا يعلم ما في غيب الله غيرُه.
ثم خوطبوا بأمر التعجيز بأن يأتوا بكتاب أي بكتاب جاءهم من عند الله.
وإنما عيّن لهم ذلك لأنهم يعتقدون استحالة مجيء رسول من عند الله واستحالة أن يكلم الله أحداً من خلقه ، فانحصر الدليل المفروض من جانب السمع أن يكون إخباراً من الله في أن ينزَّل عليهم كتاب من السماء لأنهم كانوا يجوّزون ذلك لقولهم: {ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه} [الإسراء: 93] ، ولن يستطيعوا أن يأتوا بكتاب.
فذكر لفظ"كتابكم"إظهار في مقام الإِضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال: فأتوا به ، أي السلطان المبين فإنه لا يحتمل إلا أن يكون كتاباً من عند الله.
وإضافة كتاب إلى ضميرهم من إضافة ما فيه معنى المصدر إلى معنى المفعول على طريقة الحذف والإِيصال ، والتقدير: بكتاب إليكم ، لأن ما فيه مادة الكتابة لا يتعدّى إلى المكتوب إليه بنفسه بل بواسطة حرف الجر وهو (إلى) .
فلا جرم قد اتضح إفحامهم بهذه المجادلة الجارية على القوانين العقلية ولذلك صاروا كالمعترفين بأن لا دليل لهم على ما زعموه فانتقل السائل المستفتي من مقام الاعتراض في المناظرة إلى انقلابه مستدلاً باستنتاج من إفحامهم وذلك هو قوله: {ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد اللَّه وإنهم لكاذبون} [الصافات: 151 - 152] الواقععِ معترضاً بين الترديد في الدليل.