و {مَنْ} موصولة صادقة على جمع من الناس كما دل عليه قوله في آخر الكلام {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} بل ودل عليه تفريع هذا على قوله {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6] و {مَن} في موضع رفع الابتداء والخبر عنه محذوف إيجازاً لدلالة ما قبله عليه وهو قوله: {الذين كفروا لهم عذاب شديد} [فاطر: 7] عَقِب قوله: إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير.
فتقديره بالنسبة لما استحقه حزب الشيطان من العذاب: أفأنت تَهدي من زيّن له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
وتقديره بالنسبة إلى تسلية النبي: لا يحزنك مصيره فإن الله مطلع عليه.
وفرع عليه: فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
وفرع على هذا قوله: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} أي فلا تفعل ذلك ، أي لا ينبغي لك ذلك فإنهم أوقعوا أنفسهم في تلك الحالة بتزيين الشيطان لهم ورؤيتهم ذلك حسناً وهو من فعل أنفسهم فلماذا تتحسر عليهم.
وهذا الخبر مما دلت عليه المقابلة في قوله: {الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير} [فاطر: 7] فقد دل ذلك على أن الكفر سوء وأن الإِيمان حسن ، فيكون"من زين له سوء عمله"هو الكافر ، ويكون ضده هو المؤمن ، ونظير هذا التركيب قوله تعالى: {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار} في سورة الزمر (19) ، وتقدم عند قوله تعالى:
{أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} في سورة الرعد (33) .
والتزيين: تحسين ما ليس بحسن بعضه أو كله.
وقد صرح هنا بضده في قوله: سوء عمله ، أي صورت لهم أعمالهم السيِئة بصورة حسنة ليُقْدِموا عليها بشرَه وتقدم في أوائل سورة النمل.
وجملة {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} مفرّعة ، وهي تقرير للتسلية وتأييس من اهتداء من لم يخلق الله فيه أسباب الاهتداء إلى الحق من صحيح النظر وإنصاف المجادلة.