وأسَدُّ من هذا في الجواب، - والله أعلم - أن تقول: لَمَّا بَيَّنَ اللهُ سبحانَهُ الفرائضَ، بيَنَ أَهْلَها، وبينَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ما لم يذكُرْهُ اللهُ تعالى، فقالَ:"أَلْحِقُوا الفَرائِضَ بأَهْلِها، فَما تقِيَ فَلأَولَى عَصَبة ذَكر"، ثم لم يقلْ بعد ذلكَ: فإن لم يكنْ عصبةٌ ذكرٌ، فذو عصبةٍ أنثى، ولا لِذَوي رحمٍ، ولو كانَ ذلك مُراداً بقوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75] ، لَبينَهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عنِ اللهِ سُبحانهُ؛ لِما فرضَ عليهِ من بيانِ ما أنزلَ إليهِ.
فإن قلت: فقد بَيَّنَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: توريثَهم، فروى واسعُ بنُ حَبّانَ عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنهُ سألَ عاصمَ بنَ عدي عن ثابتِ بنِ الدحداحِ، وتُوُفِّيَ:"هل تَعلَمُونَ لَهُ نَسَباً فيكُم؟"، فقال: لا، إنما هو أَتِيٌّ فينا، فقضى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بميراثِه لابنِ أختِه.
وروى المِقْدادُ الكِنْدِيُّ عنِ النبي - صلى الله عليه وسلم -:"أنا وارِثُ مَنْ لا وارِثَ لَهُ، أَعْقِلُ عَنْهُ، وَأَرِثُهُ، والخالُ وارِثُ مَنْ لا وارِثَ لَهُ، يَعْقِلُ عنهُ ويَرِثُهُ".
وروي عن عمرَ - رضيَ اللهُ تَعالى عنه -: أنه كتبَ إلى أبي عُبَيْدَةَ - رضيَ اللهُ تَعالى عنه - في غُلامٍ أصابَهُ سهمٌ فقتلَهُ: أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقولُ:"اللهُ ورَسُولُه مَوْلَى مَنْ لا مَوْلَى لَهُ، والخالُ وارِثُ مَنْ لا وارِثَ لَهُ".
ورويَ نحوُه عن عائشةَ - رضيَ اللهُ تعالى عنها.
قلنا: أما حديثُ واسعٍ، فقالَ الشافعيُّ - رحمه اللهُ تعالى -: ثابتُ بنُ الدّحْداحِ قُتِل يومَ أُحُدٍ قبلَ أَنْ تنزلَ الفرائِضُ، وإنما نزلتِ الفرائضُ فيما بينت أصحابنا في بنات محمودِ بنِ مَسْلَمَةَ، وقُتِلَ يومَ خَيْبَر، وقد قيل: نزلتْ بعدَ أُحُدٍ في بنات سعدِ بنِ الربيع، وهذا كلُّه بعدَ أمرِ ثابتٍ.
وكذلكَ آيةُ الصَّيْفِ نَزَلَتْ في جابرِ بنِ عبدِ الله لمّا قال:
يا رسولَ الله! إنما يَرِثنُي كَلالَةٌ، وإنَّما قالَ هذا بعدَ أن قُتِلَ أبوه يومَ أُحُدٍ؛ بدليلِ قوله: وإنَّما يرثنُي كَلالَةٌ].