أقولُ: اشتملتْ هذهِ الآيةُ على ثلاثةِ أحكام:
الحكم الأول: جعلَ اللهُ سبحانَه نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أَوْلى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهم، فإذا دَعاهُم إلى شيءٍ، ودَعَتْهم أَنْفُسُهم إلى شيءٍ آخرَ، كانَتْ طاعةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْلى؛ كما قالَ تعالى في آيةٍ أخرى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] ، فكان نزولُها
في عبدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ وأُخْتِهِ زينبَ لَمّا خطبَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لمولاهُ زيدِ بنِ حارِثةَ، وكَرِها ذلك.
* وبينَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الأَوْلَوِيَّةَ هذه، وأنّها في البِرِّ والإحسانِ، لا في الميراثِ لأموالهم.
روى أبو هُريرةَ - رضيَ اللهُ تعالى عنه -: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:"ما مِنْ مُؤمنٍ إلَّا وَأَنا أَوْلى النَّاس بهِ في الدُّنْيا والآخرة، اقْرَؤوا إن شئتم: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6] ، فَأَيُّما مُؤْمنٍ تَرَكَ مالاً، فَلْتَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كانوا، وإنْ تَرَكَ دَيْناً أو ضَياعاً، فَلْيَأتِني، وَأَنا مَوْلاهُ".
* وكما خَصَّهُ اللهُ الكريمُ بهذا المَقام الشَّريفِ الأَغلى؛ لكمالِ رحمتِه لهم، وتمامِ شفقتِه عليهم، جعلَ المؤمنينَ في بِرِّهم وإحسانِهم أَوْلى بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - منْ أنْفُسِهم؛ تعظيماً لحرمتِه، وإجلالاً لِقَدرِه؛ كما بينَهُ - صلى الله عليه وسلم - فقال:"لا يُؤمنُ عَبْدٌ حَتَّى أكونَ أَحَبَّ إليهِ منْ أهلِه ومالِه ووَلَد والنَّاسِ أجمعين".
ويندرجُ في هذا الأصلِ فروع ذكرَها الشافعيةُ:
الأول: يجب على كلِّ أحدٍ بَذْلُ نفسِه دُونَهُ لِمَنْ قَصَدَهُ، وإن عَلِمَ أنهُ
هالِكٌ، وقد فعلَ ذلكَ مَنْ حضرَ عندَه من أصحابِه يومَ أُحُدٍ - رضيَ اللهُ تعالى عنهم - .
الثاني: يجبُ على مالكِ الطعامِ بَذْلُه للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وإيثارُهُ به، وإنْ كانَ محتاجاً إليه.
الثالث: يجبُ على المرأةِ إجابتهُ إلى نِكاحِها إذا رَغِبَ فيها.
وفي وَجْهٍ: لا يجبُ، وهو ساقِط، لا ينبغي حكايَته، وهذا الفَرْعُ مندرج في الأَصلِ الأَوَّلِ أيضاً.
الرابع: يحرمُ خِطْتةُ مرْغوبَتِهِ، وإنْ لم يَخْطِبْها.