{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} أي اجعل جهتك للدين. {حَنِيفاً} على الحال. قال الضحاك: «حنيفا» مسلما حاجا. قال و {فِطْرَتَ اللَّهِ} دين الله. قال أبو إسحاق: «فطرة الله» نصب بمعنى اتّبع فطرة الله، قال: لأن معنى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} اتبع الدين واتبع فطرة الله. قال محمد بن جرير: «فطرة» مصدر من معنى فأقم وجهك لأن معنى ذلك فطر الله الناس على ذلك فطرة. وقد ذكرنا فطرة الله بأكثر من هذا في «المعاني» ، والحديث «كل مولود يولد على الفطرة» ، وقول الفقهاء فيه. وقد قيل: معناه يولد على الخلقة التي تعرفونها، وقيل: معنى فطرة الله التي فطر الناس عليها أي اتّبعوا دين الله الذي خلق الناس له. وسمّيت الفطرة دينا لأن الناس يخلقون له قال جلّ وعزّ {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] واحتجّ قائل بقوله جلّ وعزّ: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] .
[سورة الروم (30) : آية 31]
{مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) }
{مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} منصوب على الحال. قال محمد بن يزيد: لأن معنى «فأقم وجهك» : وفأقيموا وجوهكم. وهو قول أبي إسحاق واحتج بقوله جلّ وعزّ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1] ، وقال الفراء: المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين ورد أبو العباس قول من قال: التقدير لا يعلمون منيبين لأن معنى منيبين راجعون فكيف لا يعلمون راجعين، وأيضا فإن بعده {وَاتَّقُوهُ} وإنما معناه فأقيموا وجوهكم واتّقوه {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .
[سورة الروم (30) : آية 32]
{مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) }
{مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ} تأولته عائشة رضي الله عنها وأبو هريرة وأبو أمامة رحمهما الله على أنه لأهل القبلة، وقال الربيع بن أنس: الذين فرقوا دينهم أهل الكتاب. وفارقوا دينهم تركوا دينهم الذي يجب أن يتبعوه، وهو التوحيد. {وَكَانُوا شِيَعاً} أي فرقا. {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} قيل: هم فرحون لأنهم لم يتبيّنوا الحق
وعليهم أن يتبيّنوه، وقيل: هذا قبل أن تظهر البراهين، وقول ثالث أنّ العاصي لله جلّ وعزّ قد يكون فرحا بمعصيته، وكذلك الشيطان، وقطّاع الطريق وغيرهم، والله أعلم.