الضمّة دليل على الواو، وقد حذف من سنة واو في أحد القولين ولا يضمها أحد علمناه. {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} ويقال: من قبل ومن بعد، وحكى الكسائي عن بعض بني أسد. {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} الأول مخفوض منون والثاني مضموم بلا تنوين. وحكى الفراء، «من قبل ومن بعد» مخفوضين بغير تنوين، وللفراء في هذا الفصل من كتابه في القرآن أشياء كثيرة، الغلط فيها بيّن فمنها أنه زعم أنه يجوز «من قبل ومن بعد» كما قال الشاعر: [مجزوء الكامل] 332 إلّا علالة أو بداهة ... سابح نهد الجزاره
وكما قال: [المنسرح] 333 يا من رأى عارضا أكفكفه ... بين ذراعي وجبهة الأسد
والغلط في هذا بيّن لأنه ليس في القرآن لله الأمر من قبل ومن بعد ذلك، فيكون مثل قوله: «بين ذراعي وجبهة الأسد» ألا ترى أنك تقول: أخذته بنصف وربع الدرهم، ولا يجوز أخذته بنصف وربع، وتقول: قطع الله يد ورجل زيد.
ولا يجوز يد ورجل، على أنّ هذا أيضا ليس بكثير في كلام العرب وإنما يحمل كتاب الله على الكثير والفصيح، ولا يجوز أن يقاس عليه ما لا يشبهه، ولو قلت:
اشتريت دار وغلام عمرو، لم يجز عند أحد علمناه ومن ذلك أنه زعم أنه يجوز من قبل ومن بعد وأنت تريد الإضافة وهذا نقض الباب كلّه لأن الضمّ إنما كان فيه لعدم الإضافة وإرادتها، فإذا خفضت وأنت تريدها تناقض الكلام وإنما يجوز «من قبل ومن بعد» على
أنهما نكرتان. قال أبو إسحاق: والمعنى من متقدّم ومن متأخّر، ومنها أنه شبّه من قبل ومن بعد بقولهم: من عل، وأنشد: [الرجز] 334 إن تأت من تحت أجئها من عل
وليس من قبل ومن بعد من باب من عل. قال سيبويه: ولم يسكنوا من الأسماء ما ضارع المتمكّن ولا ما جعل في موضع بمنزلة غير المتمكّن. فالمضارع «من عل» حرّكوه لأنهم يقولون: من عل فأما التمكّن الذي جعل بمنزلة غير المتمكن فقولهم: أبدأ بهذا أول ويا حكم، أفلا ترى أن سيبويه لحذفه قد فصل بين «من عل» وبين «أول» ثم جاء الفراء فجمع بينهما، وأنشد الذي ذكرناه، وأنشد:
[الطويل] 335 فو الله ما أدري وإنّي لأوجل ... على أيّنا تعدو المنيّة أوّل
فخلط الجميع في الباب وجاء بهما في «قبل وبعد» وأحدهما مخالف لقبل وبعد.