مشاهدةِ اللَّهِ بقلبهِ ، وهو أنْ يتنورَ قلبُه بنورِ الإيمانِ وتنفذَ بصيرتُه في العرفانِ.
حتَّى يصيرَ الغيبُ عنده كالعيانِ ، وهذا هو مقامُ الإحسانِ المشارُ إليه في
حديثِ جبريلَ - عليه السلامُ - ، ويتفاوتُ أهلُ هذا المقامِ فيه بحسبِ قوةِ نفوذِ البصائرِ.
وقدْ فسَّرَ طائفة من العلماءِ المثلَ الأعلى المذكورَ في قولِهِ تعالى:
(وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) ، بهذا
ومثلُه قولُه تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَل نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) الآية ، وقد فسَّرها أبيُّ ابنُ كعبٍ وغيرُه من السلفِ بأنَّ المرادَ:
مثلُ نورِ اللَّهِ في قلبِ المؤمنِ.
ومِن هذا حديثُ حارثةَ المشهورُ لما قالَ للنبي - صلى الله عليه وسلم -:"وكأنَّي أنظر إلى عرشِ ربِّي بارِزًا ؛ وكأنِّي أنظرُ إلى أهلِ الجنةِ يتزاورونَ فيها ، وإلى أهلِ النارِ يتعاوونَ فِيها"فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
"عرفتَ فالزمْ ، عبدٌ نوَّرَ اللَهُ الإيمانَ في قلبهِ".
وهذا الحديثُ مروي مرسلاً ، ورُويَ مسندًا متَّصِلاً لكن من وجوهٍ ضعيفةٍ.
وخطبَ عروةُ إلى ابنِ عمرَ ابنتَهُ وهما في الطوافِ فلم يجبْهُ بشيءٍ ، ثم رآهُ
بعدَ ذلك فاعتذرَ إليه وقال:"كنَا فِي الطوافِ نتخايلُ اللَّه بين أعينِنا".
خرَّجَّهُ أبو نُعيمٍ وغيرُه.
ويتولَّدَ من هذينِ المقامينِ للعارفينَ مقامُ الحياءِ من اللَّهِ - عز وجل - ، وقد
أشارَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلكَ في حديث بهزِ بنِ حكيم عن أبيه عن جده أنه سئلُ عن كشفِ العورةِ خاليًا ؟
فقال:"اللهُ أحَقُّ أنْ يُستحيَا منهُ"
وقد ندبَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى دوامِ استحضارِ معيةِ اللَّهِ وقربِهِ وإلى الحياء منه بذلكَ في غيرِ حديثٍ.
كما دلَّ عليه قولُه تعالى: (وَهُوَ مَعَكمْ أَيْنَ مَا كَنتُمْ) الآية.