لقلبهِ بمنزلةِ العيانِ ، فعرفَ ربَّه ، وأنسَ به في خلوتهِ ، وتنعَّمَ بذكره ومناجاتهِ
ودعائه ، حتَّى ربَّما استوحشَ من خلقهِ.
كما قالَ بعضُهم: عجبتُ للخليقة ، كيفَ أنستْ بسواكَ ؟!
بل عجبتُ للخليقةِ كيف استنارت قلوبُها بذكرِ سواك ؟!.
وقيلَ لآخرَ: أما تستوحشُ ؟
قال: كيفَ أستوحشُ ، وهو يقولُ: أنا جليسُ من ذكرني ؟!.
وقيل لآخرَ: أما تستوحشُ وحدَك ؟
قالَ: ويستوحشُ مع اللَّهِ أحدٌ ؟!
وكان حبيب أبو محمدٍ يخلُو في بيتِهِ ، ويقولُ: من لم تقرَّ عينُه بكَ فلا
قرَت عينُه ، ومن لمْ يأنسْ بكَ فلا أنسَ.
وقال الفضيلُ: طوبَى لمن استوحشَ من الناسِ وكان اللَّه جليسَه.""
وقال معروفٌ لرجلٍ: توكلْ على اللَّهِ ، حتَّى يكونَ جليسَك وأنيسَك
وموضعَ شكواكَ.
وقال ذو النونِ: علامةُ المحبينَ للَّهِ: أن لا يأنسُوا بسواهُ ، ولا يستوحشُوا
معهُ ، ثم قالَ: إذا سكنَ القلبَ حبُّ اللَّه أنسَ باللَّه ؛ لأن اللَّهَ أجلُّ في
صدورِ العارفينَ أن يحبُّوا غيرَه.
ثبتَ في"الصحيحينِ"و"السننِ"و"المسانيدِ"من غيرِ وجه أن جبريلَ -
عليه السلامُ - سألَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن الإحسانِ ، فقالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
"الإحسانُ: أنْ تعبدَ اللَّهَ كأنكَ تراهُ ، فإن لم تكنْ تراهُ فإنهُ يراكَ".
وقال بعضُ العارفينَ من السلف:"منْ عملَ للَّهِ على المشاهدةِ فهو عارف."
ومنْ عملَ على مشاهدةِ اللَّهِ إياه فهو مخلِصٌ"."
فهذان مقامان: أحدهما: الإخلاصُ ، وهو أن يعملَ العبدُ على استحضارِ
مشاهدةِ اللَّهِ إياه ، واطلاعِهِ عليه وقربِهِ منه ، فإذا استحضَر العبدُ ذلكَ في
عملِهِ ، وعملَ على هذا المقامِ فهو مخلصٌ للَّه ، لأنَّ استحضارَهُ ذلكَ يمنعُهُ من
الالتفاتِ إلى غيرِ اللَّهِ وإرادتهِ بالعملِ.
والثاني: المعرفةُ التي تستلزمُ المحبةَ الخاصةَ ، وهو: أن يعملَ العبدُ على