ثم يذكر الحق سبحانه جزاء الإيمان والعمل الصالح: {لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ...} [العنكبوت: 7] وهنا تتجلى العظمة الإلهية ، حيث بدأ بتكفير السيئات وقدَّمها على إعطاء الحسنات .
لأن التخلية قبل التحلية ، والقاعدة تقول: إن دَرْءَ المفسدة مُقدَّم على جَلْب المصلحة ، فهَبْ أن واحداً يريد أنْ يرميك مثلاً بحجر ، وآخر يريد أنْ يرمي لك تفاحة ، فأيهما تستقبل أولاً؟ لا شكَّ أنك ستدفع أذى الحجر عن نفسك أولاً .
والخالق - عز وجل - يعلم طبيعة عباده وما يحدث منهم من غفلة وانصراف عن المنهج يُوقِعهم في المعصية ، وما دام أن الشرع يُعرِّف لنا الجرائم ويُقنِّن العقوبة عليها ، فهذا إذنٌ منه بأنها ستحدث .
لذلك يقول تعالى لعباده: اطمئنوا ، فسوف أطهركم من هذه الذنوب أولاً قبل أنْ أعطيكم الحسنات ، ذلك لأن الإنسان بطبعه أميل إلى السيئة منه إلى الحسنة ، فيقول سبحانه: {لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ...} [العنكبوت: 7] .
بل وأكثر من ذلك ، ففي آية أخرى يقول سبحانه: {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً} [الفرقان: 70] فأيُّ كرم بعد أنْ يُبدِّل الله السيئة حسنةً ، فلا يقف الأمر عند مجرد تكفيرها ، فكأنه (أوكازيون) للمغفرة ، ما عليك إلا أنْ تغتنمه .
وفي موضع آخر يقول سبحانه: {إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ...} [هود: 114] وفي الحديث الشريف:". . وأتبع السيئة الحسنةَ تمحها".
ثم يذكر سبحانه الحسنة بعد ذلك: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 7] قلنا: إن الحق سبحانه إذا أراد أنْ يعطي الفقير يقترض له من إخوانه الأغنياء {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً ...} [البقرة: 245] .