كل هذه بلاءات تحتاج إلى مجاهدة ، فإنْ كان لك غريم فإنْ قدرت أن تدفع أذاه بالتي هي أحسن فافعل ، وإنْ أردت أنْ تعاقب فعاقب بالمثل ، وهذه مسألة صعبة ؛ لأنك لا تستطيع تقدير المثلية أو ضبطها ، بحيث لا تتعدى ، فمثلاً لو ضربك خصمك ضربة ، أتستطيع أنْ تردَّ عليه بمثلها دون زيادة؟
إذن: فلا تُدخل نفسك في هذه المتاهة ، وأَوْلَى بك أنْ تأخذ بقوله تعالى {والعافين عَنِ الناس ...} [آل عمران: 134] وتنتهي المسألة .
فإذا كانت المصيبة لا غريمَ لك فيها ، كالمرض والموت وغيرهما من القدريات التي يُجريها الله عليك ، فقُلْ إن ربي أراد بي خيراً ، فبها تُكفّر الذنوب والسيئات وبها أنال أجر الصابرين ، وربما أنني غفلت عن ربي أو غرَّتني النعمة ، فابتلاني الله ليلفتني إليه ويُذكِّرني به .
ومن المجاهدة مجاهدة النفس في تلقِّي المنهج بافعل ولا تفعل ، والتكليف عادةً ما يكون شاقاً على النفس يحتاج إلى مجاهدة ، وإياك أنْ تنقلَ مدلول افعل في لا تفعل ، أو تنقل مدلول لا تفعل في افعل . وحين تستقصي (افعل ولا تفعل) في منهج الله تجده يأخذ نسبة سبعة بالمائة من حركاتك في الحياة ، والباقي مباحات ، لك الحرية تفعلها أو تتركها .
وقد يتعرض الإنسان المستقيم للاستهزاء والسخرية حتى مِمَّن هو على دينه ، لأن المنحرف دائماً يشعر بنقص فيتضاءل ويصغَر أمام نفسه ، ويحاول أن يجر الآخرين إلى نفس مستواه حتى يتساوى الجميع ، وإلا فكيف تكون أنت مهتدياً مستقيماً وهو عاصٍ ضالٌّ ؛ لذلك تراه يسخر منك ويُهوِّن من شأنك ، لماذا؟ ليُزهِّدك في الطاعة ، فتصير مثله .