إذن: هذه الغرائز تحتاج منك إلى مجاهدة ؛ لتظل في حَدِّ الاعتدال ، عملاً بالأثر:"نحن قوم لا نأكل حتى نجوع ، وإذا أكلنا لا نشبع ، ولا نشرب حتى نظمأ ، وإذا شربنا لا نقنع".
ولو عملنا بهذا الحديث لَقضيْنا على القنبلة الذرية للاقتصاد في بلادنا ، وكم تحلو لك اللقمة بعد الجوع مهما كانت بسيطة وغير مكلِّفة ؛ لذلك يقولون: نعم الإدام الجوع ، ثم إذا أكلتَ لا تملأ المعدة ، ودع كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفَسه".
وبهذا المنهج الغذائي الحكيم نضمن بنية سليمة وعافية لا يخالطها مرض .
فالغرائز خلقها الله فيك لمهمة ، فعليك أنْ تقف بها عند مهمتك . ومثل الغرائز العواطف من حب وكُرْه وشفقه وحُزْن . . إلخ ، وهذه ليس لها قانون إلا أنْ تقفَ بها عند حدود العاطفة لا تتعداها إلى النزوع ، فأحبب مَنْ شئتَ وأبغض مَنْ شئتَ ، لكن لا تتعدَّ ولا تُرتِّب على العاطفة حكماً .
وقد ذكرنا لهذه المسألة مثالاً بسيدنا عمر - رضي الله عنه - وكان له أخٌ اسمه زيد قُتل ، ثم أسلم قاتله ، فكان عمر كلما رآه يقول له: ازْوِ عني وجهك - يعني: أنا لا أحبك - فيقول: أو عدم حبك لي يمنعني حقاً من حقوقي؟ قال: لا ، قال: إنما يبكي على الحب النساء . يعني: الحب والكره مسائل يهتم بها النساء ، والمهم العمل ، وما يترتب على هذه العواطف .
ومن المجاهدة مجاهدة مَنْ سُلِّط عليك من جبار أو نحوه ، تجاهده وتصبر على إيذائه ، فحبُّك للحق يجعلك تصبر عليه ، يقول تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31] .