وباللسان معرفة إيمانك ، حين تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وهي أشرف ما يعمل الإنسان ، وبه بلاغ الرسول عن الله لخَلْقه ، إذن: فأفعال الجوارح الشرعية ناشئة من اللسان ومن السماع ؛ لذلك جعل القول وهو عمل اللسان شطر العمل كله .
ولأهمية القول قال تعالى: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 2] فكل فعل ناشئ عن انصياع لقول أو سماع لقول ؛ لذلك ختم سبحانه هذه الآية بقوله: {وَهُوَ السميع العليم} [العنكبوت: 5] .
وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6)
وكلمة {جَاهَدَ ...} [العنكبوت: 6] تناسب النجاح في الابتلاء ، والجهاد: بذْل الجهد في إنفاذ المراد ، ومنه اجتهد فلان في كذا يعني: عمل أقصى ما في وُسْعه من الجدِّ والاجتهاد في أن يستنبط الحكم .
والجهاد له مجالان: مجال في النفس يجاهدها ليقْوَى بمجاهدة نفسه على مجاهدة عدوه .
وجاهد: مفاعلة ، كأن الشيء الذي تريده صعب ، يحتاج إلى جهد منك ومحاولة ، والمفاعلة تكون من الجانبين: منك ومن الشيء الذي يقابلك ، وأول ميادين الجهاد النفس البشرية ؛ لأن ربك خلق فيك غرائز وعواطف لمهمة تؤديها ، ثم يأتي منهج السماء ليكبح هذه الغرائز ويُرقِّيها ، حتى لا تنطق معها إلى ما لا يُباح .
فحب الاستطلاع مثلاً غريزة محمودة في البحث العلمي والاكتشافات النافعة ، أمّا إنْ تحوّل إلى تجسُّس وتتبع لعورات الناس فهو حرام ؛ الأكل والشرب غريزة لتقتات به ، وتتولد عندك القدرة على العمل ، فإنْ تحوَّل إلى نهم وشراهة فقد خرجت بالغريزة عن مرادها والهدف منها .
وعجيب أمر الناس في تناول الطعام ، فالسيارة مثلاً لا نعطيها خليطاً من الوقود ، إنما هو نوع واحد ، أما الإنسان فلا تكفيه عدة أصناف ، كل منها لها تفاعل في الجسم ، حينما تتجمع هذه التفاعلات تضر أكثر مما تنفع .