وإذا كان المؤمن مُصدِّقاً بقوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] لأنه آمن بالله ، وآمن بما جاء به رسول الله ، فكيف بمَنْ لا يؤمن ولا يُصدِّق؟ لذلك يُؤنِس الحق سبحانه هذه العقول المستشرفة لمعرفة حقائق الأشياء يُؤنِسها بما تشاهد: فإنْ كنتَ لا تُصدِّق مسألة الخَلْق فأنت بلا شكٍّ تشاهد مسألة الموت وتعاينه كل يوم ، والموت نَقْضٌ للحياة ، ونَقْض الشيء يأتي عكْس بنائه .
والخالق - عز وجل - أخبر أن الروح هي آخر شيء في بناء الإنسان ، لذلك هي أول شيء يُنقَض فيه عند الموت ، إذن: مشهدك في كيف تموت ، يؤكد لك صِدْق الله في كيف جئت؟
وأجل الآخرة أمر لا بُدَّ منه ليُثاب المطيع ويُعَاقب العاصي ، أَلاَ ترى إلى النظم الاجتماعية حتى عند غير المؤمنين تأخذ بهذا المبدأ لاستقامة حركة الحياة؟ فما بالك بمنهج الله تعالى في خَلْقه ، أيترك الظالم والمجرم يُفلِت من العقاب في الآخرة بعد أنْ أفلت من عقاب الدنيا؟
وكنا نردُّ بهذا المنطق على الشيوعيين: لقد عاقبتُم مَنْ طالته أيديكم من المجرمين ، فكيف بمَنْ ماتوا ولم تعاقبوهم ، أليستِ الآخرةُ تحلّ لكم هذا المأزق؟
ثم تُختمَ الآية بقوله تعالى: {وَهُوَ السميع العليم} [العنكبوت: 5] ألا ترى أنه تعالى لو قال: العليم فقط لشملَ المسموع أيضاً ؛ لأن العلم يحيط بكل المدركات؟ فلماذا قال {السميع العليم} [العنكبوت: 5] ؟
قالوا: لأن اللغة العربية حينما تكلمتْ عن العمل والفعل والقول قسَّمت الجوارح أقساماً: فاللسان له القول ، وبقية الجوارح لها الفعل ، وهما جميعاً عمل ، فالقول عمل اللسان ، والفعل عمل بقية الجوارح ، فكأن اللسان أخذ شطر العمل ، وبقية الجوارح أخذت الشطر الآخر .