وسبق أن قُلْنا: إن الأزمان ثلاثة: حاضر نشهده ، وماضٍ غائب عنا لا نعرف ما كان فيه ، ومستقبل لا نعرف ما يكون فيه . والحق سبحانه يعطي لنا في الوجود المشاهد دليلَ الصدق في غير المشاهد ، فنحن مثلاً لا نعرف كيف خلقنا الخَلْق الأول إلا من خلال ما أخبرنا الله به أن أَصلْ الإنسان تراب اختلط بالماء حتى صار طيناً ، ثم حمأ مسنوناً ، ثم صلصالاً كالفخار . . إلخ .
ثم جعل نسل الإنسان من نطفة تتحول إلى علقة ، ثم إلى مضغة ، ثم إلى عظام ، ثم تُكْسى العظام لحماً . وإنْ كان العلم الحديث أرانا النطفة والعلقة والمضغة ، وأرانا كيف يتكوَّن الجنين ، فيبقى الخَلْق الأول من تراب غيباً لا يعلمه أحد .
ولا تُصدِّق من يقول: إني أعلمه ؛ لأن الله تعالى حذرنا من هؤلاء المضلين في قوله: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً} [الكهف: 51] .
فلا علمَ لهم بخَلْق الإنسان ، ولا علمَ لهم بخَلْق ظواهر الكون ، فلا تسمع لهم ، وخُذْ معلوماتك من كتاب ربك الذي خلق سبحانه ، ويقوم وجود المضلين الذين يقولون: إن الأرض قطعة من الشمس انفصلتْ عنها ، أو أن الإنسان أصله قرد - يقوم وجودهم ، وتقوم نظرياتهم دليلاً على صدق الحق سبحانه فيما أخبر .
وإلا ، فكيف نُصدِّق نظرية ترقِّي القرد إلى الإنسان؟ ولماذا ترقّى قرد (دارون) ولم تترقَّ باقي القرود؟