قلنا: لأن العقل آلة، تُدرك بها معاني الأشياء بالتأمل فيها، ولا يمكن التأمل فيها والوصول إليها بطريقها إلا بالعلم، ودلت الآية على فضل العلم على العقل، ولا عالم منا إلا وهو عاقل، فأما العاقل فقد يكون غير عالم.
{اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ... (45) }
فإن قلت: لم أمر بهذين الشيئين، تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة فقط؟
قلت: لأن العبادة المختصة بالعبد ثلاثة؟
قلبية: وهي الاعتقاد الحق.
ولسانية: وهي الذكر الحسن.
وبدنية: وهي العمل الصالح. لكن الاعتقاد لا يتكرر، فإن من اعتقد شيئًا لا يمكنه أن يعتقده مرة أخرى، بل ذلك يدوم مستمرًا فبقي الذكر والعبادة البدنية، وهما ممكنا التكرار، فلذلك أمر بهما.
{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ... (46) }
فإن قلت: كيف قال: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} مع أن جميع أهل الكتاب ظالمون؛ لأنهم كافرون، وقال تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ؟
قلتُ: المراد بالظلم هنا: الامتناع عن قبول عقد الذمة، أو نقض العهد بعد قبوله.
{وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) }
فإن قلت: لم سماهم المبطلين، ولو لم يكن أميًا وقالوا: ليس بالذي نجده في كتبنا لكانوا محقين، ولكان أهل مكة أيضًا على حق في قولهم: لعله تعلمه أو كتبه، فإنه رجل قارئ كاتب؟
قلت: لأنهم كفروا به، وهو أمي بعيد من الريب، فكأنه قال: هؤلاء المبطلون في كفرهم به، لو لم يكن أميًا .. لارتابوا أشد الريب، فحيث إنه ليس بقارئٍ ولا كاتب، فلا وجه لارتيابهم.
قيل: وسماهم مبطلين؛ لأن ارتيابهم على تقدير أنه - صلى الله عليه وسلم - يقرأ ويكتب ظلم منهم لظهور نزاهته، ووضوح معجزاته.
قال في"الأسئلة المقحمة":
كيف منّ الله على نبيه بأنه أمي لا يعرف القراءة والكتابة، وهما من قبيل الكمال، لا من قبيل النقص؟