ولما كان المراد إزالة ما في أوهامهم عما يلحقهم بسبب الهجرة على أبلغ وجه ، قال (يرزقها وإياكم) دون يرزقكم وإياها ،"وَهُوَ السَّمِيعُ"البالغ منتهى السمع بسمع قولكم ، ويعلم ما تحوكه قلوبكم ويتردد في صدوركم"الْعَلِيمُ"60 البالغ في العلم بما انطوت عليه ضمائركم ، ومن هنا قال صلّى اللّه عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه - رواه البخاري ومسلم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه - واعلم أن اسم الهجرة يطلق على تسعة أمور كل منها بسمى هجرة بنسبته:
الأول هجرة الصحابة رضي اللّه عنهم من مكة إلى الحبشة سنة خمس من البعثة سنة نزول سورة والنجم وذلك بسبب ما لحقهم من أذى المشركين مالا وبدنا ، ولهذا قال ذو النون من هرب من الناس سلم من شرهم ، ومن شكر مولاه استحق المزيد من الفضل والعناية ، ومن نظر في عيوب الناس عمي عن عيوب نفسه.
الثانية الهجرة التي نحن بصددها من مكة إلى المدينة الكائنة سنة ثلاث عشرة منها أيضا ، أما الخروج هربا وطلبا فيقسم إلى تسعة أقسام: الأول الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام ، وهذه باقية إلى يوم القيامة كما أشرنا إليه في الآية 50 المارة.
الثاني الخروج من أرض البدعة ، قال ابن القاسم سمعت مالكا يقول لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يسبّ فيها السلف.
الثالث الخروج من أرض يغلب عليها الحرام ، فإن طلب الحلال فريضة على كل مسلم.
الرابع الخروج من الأذية في البدن ، وهو فضل من اللّه رخص لعباده فيه إذا خافوا على أنفسهم في مكان ، فقد أذن