والقدرة على القراءة فرع عن الكتابة ، وما جاء في صحيح البخاري وغيره عند كتابة صلح الحديبية ما لفظه فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الكتاب ، وليس يحسن يكتب ، فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللّه الحديث المشهور ، وقال بهذا أبو ذر وعبد بن أحمد الهروي وأبو الفتح النيسابوري وأبو الوليد الباجي من المغاربة ، وحكاه عن السمّاني وصنف فيه كتابا ، وسبقه إليه ابن منّه ، هذا وإن معرفته الكتابة بعد أمّيّته ونبوته صلّى اللّه عليه وسلم لا تنافي المعجزة ، بل هي معجزة أخرى لكونها من غير تعليم ، لهذا قال بعضهم صار صلّى اللّه عليه وسلم يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها ، وعدم معرفتها قبل بسبب المعجزة لهذه الآية ، فلما نزل القرآن واشتهر الإسلام وظهر أمر الارتياب تعرف الكتابة حينئذ ، وذلك بإقدار اللّه تعالى إياه بدون تعلم من أحد ، وهذا معجزة له أيضا وأول ذلك قراءة ما هو مكتوب على باب الجنة المار ذكرها ، وقوله هذا قد يتجه في القراءة
، أما في الكتابة فلا ، لما جاء في الحديث الصحيح: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب.
وعليه إن كل ما ورد من أنه كتب يكون معناه أمر بالكتابة ، كما يقال كتب السلطان بكذا لفلان ، ومن المعلوم أن للسلطان كتبة يكتبون له ذلك بأمره ، لا هو نفسه ، وقد جاء في الآيتين 94/ 105 (وإنا له لكاتبون) (ولقد كتبنا في الزبور) من سورة الأنبياء المارة ، فالمراد بالأولى واللّه أعلم حفظته الموكلون بتسطير أعمال الخلق ، وفي الثانية أمره للقلم بكتابة ما كان وما يكون الذي من جملته ما كتب في الزبور كما بيناه أول سورة القلم في ج 1.
هذا ، وتقدم قوله تعالى (من قبله) على قوله (ولا تخطه) كالصريح في أنه عليه الصلاة لم يكتب مطلقا.