أحدهما ـ قال الضحاك، ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة.
ثانياً. لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا لعلموا أن العذاب حق.
ثالثاً. ودوا حين رأوا العذاب لو كانوا في الدنيا يهتدون.
رابعاً. لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب.
خامساً. قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا يهتدون إذ رأوا العذاب، ويؤكد ذلك قوله تعالى: {لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ} .
فإن المراد به ـ والله اعلم ـ أن المشركين حينما يرون العذاب في الآخرة، وأنه واقع بهم لا محالة، وحاصل كما ذكره الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) لهم وحذرهم منه يتمنون لو أنهم كانوا مهتدين، ولات حين مناص، ولا يمكن أن يراد بالعذاب عذاب الدنيا كما قال ابن عاشور.
وذلك لأننا إذا رجعنا قليلاً إلى الآيات التي قبل هذه، فكلها تتحدث عن يوم القيامة قال تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} ، أي: يوم القيامة يناديهم ثم ما يحصل من تبرأ بين الذين أتَبَعوا والذين أَتُبِعوا {رَبَّنَا هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ} ، ثم يسألهم الله ليوبخهم، ويبين لهم عدم قدرة من اتخذوهم آلهةً على نصرهم. فبعد أن سقطت كل حججهم، وتبين لهم كم كانوا على ضلال ورأوا العذاب، فتمنوا لو أنهم كانوا مهتدين مع من اهتدى.
{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ} . قال القرطبي:"أي: يقول الله لهم ما كان جوابكم لمن أرسل إليكم من النبيين لما بلغوكم رسالاتي".
{فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ} . قال الماوردي: فيها وجهان:
"الوجه الأول ـ الحجج، قاله مجاهد."
الوجه الثاني ـ الأخبار، قاله السدي"."
وقال ابن الجوزي:"سميت أنباء لأنها أخبار يخبرها".
{فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ} نقل القرطبي عدة آراء للعلماء في معناها:
قال الضحاك: لا يسأل بعضهم بعضاً عن الحجج، لأن الله أدحض حججهم.
وقال ابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَما ـ: {لاَ يَتَسَاءَلُونَ} لا ينطقون بحجة.