لذلك فإن الحق سبحانه يريد أنْ يلزم الإنسان حجة أن نفسه هي الوسيلة الأولى لشهواته ، وإلا فلو أن المسألة كلها وسوسة شيطان ، فمَن أغوى إبليس بالعصيان أولاً على حَدِّ قَوْل الشاعر:
إبليسُ لما عَصى مَنْ كان وسْوَسَهُ؟ ... إذن: فهي كبرياء النفس ورغباتها ، وليس للشيطان إلا أنْ يُلوِّح لها فتقع ؛ لذلك جاء في الحديث الشريف:"إذا أقبل رمضان فُتحت أبواب الجنة ، وغُلِّقت أبواب النار ، وسُلْسلت الشياطين".
وما دامت الشياطين سُلسلت ، فليس لها حركة مع الإنس ؛ لأن الله تعالى يعلم منّا أنَّا نُعلِّق كل معاصينا على الشيطان ، فكأنه سبحانه يقول: ها هي الشياطين صُفِّدت وسُلْسِلت ، فمَنْ أغواكم وزيِّن لكم حال سَلْسلتها؟ إذن: هي نفسك التي تَوسوس لك ؛ لذلك نقول: كل معصية تقع في رمضان ليس للشيطان فيها نصيب ، إنما هي شهوة النفس .
وسبق أنْ بيِّنا كيف نُفرِّق بين المعصية متى تكون من الشيطان؟ ومتى تكون شهوة نفس؟ إنْ كانت المعصية تُوقفك عندها لا تتزحزح عنها إلى غيرها ، فاعلم أنها من نفسك ، أما إنْ عزَّتْ عليك معصية ففكَّرْتَ في غيرها ، فهي من الشيطان ؛ لأنه والعياذ بالله يريدك عاصياً على أي وجه ، وبأيِّ طريقة فينقلك إلى معصية أخرى يستطيع أنْ يُوقِعك فيها ، على خلاف شهوة النفس ، فهي تريد شيئاً بذاته لا تريد غيره .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَقِيلَ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ ...} .
وسبق أن ناداهم {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص: 62] أي: في زعمكم ؛ لأنه سبحانه ليس له شركاء ، وهنا يقول لهم {ادعوا شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ العذاب لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ} [القصص: 64] ولم يقُلْ شركائي ، مع أنهم اتخذوهم شركاء لله .