وفي بعض الآيات نجد في ظاهرها قسوة على رسول الله وشدة مثل: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل * لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين} [الحاقة: 44 - 46] .
وكل ما يكون في القرآن من هذا القبيل لا يُقصد به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنما الحق سبحانه يريد أن يعطي للأمة نموذجاً يلفت أنظارهم ، وكأنه تعالى يقول لنا: انتبهوا فإذا كان الخطاب لرسول الله بهذه الطريقة ، فكيف يكون الخطاب لكم؟
كأن يكون عندك خادم يعبث بالأشياء حوله ، فتُوجِّه الكلام أنت إلى ولدك: والله لو عبثتَ بشيء لأفعلنَّ بك كذا وكذا ، فتوجِّه الزجر إلى الولد ، وأنت تقصد الخادم ، على حَدِّ المثل القائل (إياك أعني واسمعي يا جارة) .
لذلك يقول بعض العارفين:
مَا كان في القُرآن مِنْ نِذَارةٍ ... إلى النبيِّ صَاحبِ البشَارةِ
فكُنْ لَبيباً وافْهَم الإشَارةَ ... إيّاك أعني واسْمعِي يَا جَارة
يعني: اسمعوا يا أمة محمد ، كيف أخاطبه ، وأُوجِّه إليه النذارة ، مع أنه البشير .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ الله بَعْدَ ...} .
قوله تعالى: {وَلاَ يَصُدُّنَّكَ ...} [القصص: 87] أي: لا يصرفنك ولا يمنعنَّك المشركون {عَنْ آيَاتِ الله ...} [القصص: 87] أي: قراءتها وتبليغها للناس ، وقوله: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين} [القصص: 87] هذا أيضاً داخل في (إياك أعني واسمعي يا جارة) لأن رسول الله أبعد ما يكون عن الشرك ، وليس مظنة له .
قوله تعالى: {وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ ...} [القصص: 88] كسابقتها ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس مظنة أن يدعو مع الله إلهاً آخر {لاَ إله إِلاَّ هُوَ ...} [القصص: 88] أي: لا معبودَ بحق إلا هو .