ثم يلمح له بوجوب قتالهم لردهم إلى عبادة الله وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ [النمل: 24] .
فخطاب الهدهد لسليمان ليس خطاب المذنب المهمل بل هو خطاب الذي رضى عن عمله واطمأن إلى أداء واجبه فهو لا يعبأ أن يخاطب أعظم قائد بلغة الحق القوي.
-ولهذا فإن الأمة التي لا يساوي رجالها هدهدا هي أمة غثاء وهباء، وإن الأمة التي هدهدها كهدهد سليمان تسود الأمم وتكون قدوة للأنام.
-وإن فساد العقيدة والعمل يخلق رجالا من أمثال رجال بلقيس يقولون لها: وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ [النمل: 33] .
وهي لم تجمعهم إلا لتقول لهم: ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ [النمل: 32] فلم يسمعوها رأيا تستأنس به.
ومن لطائف هذه القصة:
1 -بيان عاقبة الاستعمار، بقوله تعالى: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل: 34] .
-فطنة بلقيس:
أ - لم تحاول رشوة سليمان بالمال بل أرسلت الهدايا لاختبار حقيقته. فإذا كان من الملوك رضي بالمال وإن كان من أصحاب العقيدة لم يقبل الأموال:
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [النمل: 35] .
ب - وحين نكروا عرشها وسألوها أهكذا عرشك قالت: كأنه هو. فلم تقل إنه هو فقد تركته وراءها فيدل ذلك على ضعفها، ولم تقل ليس هو لأنه غباوة وبلادة ذهن. وخرجت من ذلك بقولها: كَأَنَّهُ هُوَ [النمل: 42] .
3 -لقد كانت بلقيس عاقلة في إسلامها وشركها، قد علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس ولذلك قالت ونفذت: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [النمل: 35] .