وذلك يدل على قدرة الله تعالى بنقله من مكان بعيد إلى بلاد الشام، وعلى صدق سليمان عليه السلام.
فَلَمَّا جاءَتْ، قِيلَ: أَهكَذا عَرْشُكِ؟ قالَتْ: كَأَنَّهُ هُوَ أي حين قدمت، عرض عليها عرشها (سرير الملك) وقد غيّر وزيد فيه ونقص، فسئلت عنه: أمثل هذا عرشك؟ ولم يقل: أهذا عرشك؟ لئلا يكون تلقينا، فقالت: كأنه هو، أي يشبهه ويقاربه، ولم تجزم أو تقطع يقينا بأنه هو، لاحتمال أن يكون مثله بسبب بعد مسافته عنها.
وكان جوابها جواب سياسي بارع ذكي محنّك، دل على كمال عقلها ودهائها، وثبات شخصيتها، وأنها في غاية الذكاء والحزم، فشبهت عليهم من حيث شبهوا عليها.
وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ الظاهر كما قال أبو حيان أن هذا الكلام ليس من كلام بلقيس، وإن كان متصلا بكلامها، فقيل- وهو قول مجاهد-: من كلام سليمان، أي أوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها، وكنا في كل ذلك موحدين خاضعين لله تعالى، وقيل: من كلام قوم سليمان وأتباعه. قال ابن كثير: ويؤيد قول مجاهد أنها إنما أظهرت الإسلام بعد دخولها إلى الصرح، كما سيأتي.
ثم أبان الله تعالى عذر بلقيس في عدم إعلانها الإسلام قبل ذلك فقال:
وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ أي ومنعها عن عبادة الله وإظهار الإسلام ما كانت تعبد من غير الله وهو عبادة الشمس، فإنها كانت من قوم وثنيين كانوا يعبدون الشمس، فتأثرت بالبيئة التي نشأت فيها، ولم تكن قادرة على تغيير عقيدتها، حتى جاءت إلى بلاد سليمان الذي أحسن عرض الإسلام عليها، وأقنعها بصحته ووجوب الاعتقاد بوجود الله ووحدانيته، فهو رب الكون جميعه، ورب الكواكب كلها، شمسها وقمرها ونجومها العديدة.
لَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً، وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها، قالَ: إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ، قالَتْ: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ