فَلَمَّا جاءَ رسولها بمن معه سُلَيْمانَ دل ذلك على أنها نفذت اقتراحها وأرسلت قالَ سليمان منكرا عليهم أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ أي أتصانعونني بمال لأترككم على شرككم وملككم؟ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ أي الذي أعطاني الله من النبوة والملك والمال والجنود خير مما أنتم فيه بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ قال ابن كثير: (أي أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف، وأما أنا فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف) . وقال النسفي في الآية:(والمعني: أن ما عندي خير مما عندكم، وذلك أن الله آتاني الدين الذي فيه الحظ الأوفر، والغنى الأوسع، وآتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه فكيف - يرضى مثلي بأن يمد بمال بل أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فلذلك تفرحون بما تزادون ويهدى إليكم، لأن ذلك مبلغ همتكم، وحالي
خلاف حالكم وما أرضى منكم بشيء ولا أفرح به إلا بالإيمان وترك المجوسية).
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ أي ائت بلقيس وقومها والخطاب للرسول، أو للهدهد محملا كتابا آخر إليهم فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها أي لا طاقة لهم بها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من بلادهم سبإ أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ أي مهانون مدحورون. قال النسفي: (الذل: أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك. والصغار: أن يقعوا في أسر واستعباد) عندئذ قررت بلقيس الاستسلام.
فوائد:
1 -يذكر المفسرون كلاما كثيرا حول الهدية ونوعها، واختبارات جعلتها فيها بلقيس، وقد ذكرها ابن كثير، ثم علق عليها بقوله: (وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات. والظاهر أن سليمان عليه السلام لم ينظر إلى ما جاءوا به بالكلية ولا اعتنى به بل أعرض عنه) .
2 -إن رفض سليمان الهدية سببه - والله أعلم - أنها رشوة، وأنه أراد إعلامهم أنه ليس طالب دنيا، وإنما هو طالب نصرة دين.
3 -نلاحظ أن سليمان قد ركز على نقطة الضعف التي أظهرتها بلقيس، وهي خوفها أن يجعل أعزة قومها أذلة. ومن ثم قال: وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ وكان في ذلك استسلامها، ومن ثم ندرك أهمية المعرفة الكاملة للخصم، وتأثير ذلك على إحراز النصر.