قلنا إن آية المحور هي: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وقد جاءت هذه الآية بعد قصة طالوت التي ختمت بقوله تعالى: وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ* تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ .. فعند
ما تأتي في هذه السورة قصة داود ووراثة سليمان له، فإن هذا يكون استمرارا لما قصه الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من شأن داود قبل آية المحور، ففي هذه السورة آيات يتلوها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من أنباء المرسلين ليعلمه من آدابهم، وليعطيه من دروسهم، ولذلك صلاته بآية المحور وسياقها، ومن مثل هذه الصلة التي رأيناها هنا ندرك بعض أسرار الوحدة القرآنية.
نقول:
قال صاحب الظلال:
(ومملكة النمل كمملكة النحل دقيقة التنظيم، تتنوع فيها الوظائف، وتؤدى كلها بنظام عجيب، يعجز البشر غالبا عن ابتداع مثله، على ما أوتوا من عقل راق وإدراك عال) .
(وللطيور والحيوان والحشرات وسائل للتفاهم - هي لغاتها ومنطقها - فيما بينها.
والله سبحانه خالق هذه العوالم يقول: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ولا تكون أمما حتى تكون لها روابط معينة تحيا بها، ووسائل معينة للتفاهم فيما بينها. وذلك ملحوظ في حياة أنواع كثيرة من الطيور والحيوان والحشرات. ويجتهد علماء هذه الأنواع في إدراك شيء من لغاتها ووسائل التفاهم بينها عن طريق الحدس والظن لا عن الجزم واليقين. فأما ما وهبه الله لسليمان - عليه السلام - فكان شأنا خاصا به على طريق الخارقة التي تخالف مألوف البشر. لا على طريق المحاولة منه والاجتهاد لتفهم وسائل الطير وغيره في التفاهم، على طريق الظن والحدس، كما هو حال العلماء اليوم ...