ولمّا رأى سليمان ذلك أخذ في الشكر لله - سبحانه - والاعتراف بِعِظمِ نِعَمِه، والاستيحاء، والتواضع له، وقال: {هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّى} : لا باستحقاقٍ مني، ولا باستطاعةٍ من غيري، بل أحمد النعمةَ لربِّي حيث جعل في قومي ومِنْ أمتي مَنْ له الجاهُ عنده فاستجاب دعاءَه.
وحقيقةُ الشكرِ - على لسان العلماء - الاعترافُ بنعمة المُنْعِم على جهة الخضوع. والأحسنُ أن يقال الشكرُ هو الثناءُ على المُحْسِنِ بِذِكْرِ إحسانه، فيدخل في هذا شكرُ اللَّهِ للعبد لأنه ثناءٌ منه على العبد بذكر إحسان العبد، وشكرُ العبد ثناءٌ على الله بذكر إحسانه ... إلاّ أَنَّ إحسان الحقِّ هو إنعامُه، وإحسانُ العبد طاعتُه وخدمتُه لله، وما هو الحميد من أفعاله.
فأمَّا على طريقِ أهل المعاملة وبيان الإشارة: فالشكرُ صَرْفُ النعمة في وجه الخدمة.
ويقال الشكر أَلاَّ تستعينَ بنعمته على معاصيه.
ويقال الشكر شهودُ المنعِم من غير مساكنةٍ إلى النعمة.
ويقال الشكر رؤية العجز عن الشكر.
ويقال أعظمُ الشكرِ الشكرُ على توفيق الشكر.
ويقال الشكر على قسمين: شكر العوام على شهود المزيد، قال تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] ، وشكر الخواص يكون مجرداً عن طلب المزيد، غيرَ متعرض لمنال العِوَض.
ويقال حقيقةُ الشكرِ قيد النعم وارتباطها؛ لأَنَّ بالشكر بقاءَها ودوامَها. انتهى انتهى. {لطائف الإشارات حـ 3 صـ 38 - 40}