ثم الثالث {فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ} قيل: في الآية حذف ، والتقدير: فأذن له سليمان ، فدعا الله ، فأتى به ، فلما رآه سليمان مستقرًّا عنده أي رأى العرش حاضراً لديه {هذا مِن فَضْلِ رَبِّي ليبلونيا أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} الإشارة بقوله: {هذا} إلى حضور العرش ، {ليبلوني} أي ليختبرني أشكره بذلك ، وأعترف أنه من فضله من غير حول مني ولا قوّة ، أم أكفر بترك الشكر وعدم القيام به.
قال الأخفش: المعنى: لينظر أأشكر أم أكفر ، وقال غيره: معنى {لِيَبْلُوَنِي} : ليتعبدني ، وهو مجاز ، والأصل في الابتلاء الاختبار.
{وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} ؛ لأنه استحق بالشكر تمام النعمة ودوامها ، والمعنى: أنه لا يرجع نفع ذلك إلاّ إلى الشاكر {وَمَن كَفَرَ} بترك الشكر {فَإِنَّ رَبّي غَنِيٌّ} عن شكره {كَرِيمٌ} في ترك المعاجلة بالعقوبة بنزع نعمه عنه ، وسلبه ما أعطاه منها ، و"أم"في {أَمْ أَكْفُرُ} هي متصلة.
وقد أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {اذهب بّكِتَابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ} يقول: كن قريباً منهم {فانظر مَاذَا يَرْجِعُونَ} فانطلق بالكتاب حتى إذا توسط عرشها ألقى الكتاب إليها ، فقرئ عليها ، فإذا فيه: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم} ، وأخرج ابن مردويه عنه: {كِتَابٌ كَرِيمٌ} قال: مختوم ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب:"باسمك اللهم"حتى نزلت {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم} .
وأخرج أبو داود في مراسيله عن أبي مالك مرفوعاً مثله.