ارْجِعْ إِلَيْهِمْ، فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها، وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً، وَهُمْ صاغِرُونَ أي ارجع أيها المبعوث إليهم بهديتهم، فإنا سنأتينهم بجنود لا طاقة لهم بقتالهم، ولنخرجنهم من بلدتهم أذلة، وهم مهانون مدحورون، إن لم يأتوا مسلمين منقادين لله رب العالمين.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
1 -أدب الخطاب وخصوصا في مجال الدعوة إلى الله تعالى في مكاتبات الملوك ورؤساء الدول مطلوب شرعا، لذا وصفت بلقيس كتاب سليمان عليه السلام بأنه كتاب كريم، لما تضمن من لين القول والموعظة في الدعوة إلى عبادة الله عز وجل، وحسن الاستعطاف والاستلطاف من غير أن يتضمن سبّا ولا لعنا، ويؤيده قول الله عز وجل إلى نبيه صلّى الله عليه وسلم: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل 16/ 125] وقوله لموسى وهارون: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [طه 20/ 44] .
والوصف بالكريم في الكتاب غاية الوصف بدليل قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [الواقعة 56/ 77] .
2 -كانت عادة المتقدمين في المكاتبة أو المراسلة أن يبدءوا بأنفسهم من فلان إلى فلان، وسار السلف الصالح من أمتنا على هذا المنهج معاملة بالمثل،
قال ابن سيرين، قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «إن أهل فارس إذا كتبوا بدؤوا بعظمائهم، فلا يبدأ الرجل إلا بنفسه»
وقال أنس: ما كان أحد أعظم حرمة من النبي صلّى الله عليه وسلم، وكان أصحابه إذا كتبوا بدؤوا بأنفسهم.
لكن لو بدأ الكاتب بالمكتوب إليه جاز لأن الأمة اجتمعت عليه وفعلوه لمصلحة رأوها في ذلك، فالأحسن في زماننا ومن عدة قرون أيضا أن يبدأ الكاتب بالمكتوب إليه، ثم بنفسه، لأن البداية بنفسه تعدّ منه استخفافا بالمكتوب إليه، وتكبرا عليه.
3 -إذا كانت التحية واردة في رسالة ينبغي على المرسل إليه أن يرد الجواب لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر، وروي عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجبا كما يرى رد السلام.