وثالثها: أن جريان"العادة"في الأعصر الإسلامية السابقة، على عدم ولاية المرأة لمنصب القضاء لا يعني"تحريم"الدين لولايتها هذا المنصب، فدعوة المرأة للقتال، وانخراطها في معاركه هو مما لم تجربه"العادة"في الأعصر الإسلامية السابقة، ولم يعن ذلك"تحريم"اشتراك المرأة في الحرب والجهاد القتالى عند الحاجة والاستطاعة وتعيُّن فريضة الجهاد القتالى على كل مسلم ومسلمة .. فهي قد مارست هذا القتال وشاركت في معاركه على عصر النبوة والخلافة الراشدة .. من غزوة أُحد [3 هجرية 625 م] إلى موقعة اليمامة [12 هجرية 633 م] ضد ردة مسيلمة الكذاب [12 هجرية 633 م] .. وفي"العادة"مرتبطة"بالحاجات"المتغيرة بتغير المصالح والظروف والملابسات، وليست هي مصدر الحلال والحرام ..
رابعها: أن علة اختلاف الفقهاء حول جواز تولى المرأة لمنصب القضاء، في غيبة النصوص الدينية - القرآنية والنبوية - التي تتناول هذه القضية، كانت اختلاف هؤلاء الفقهاء في الحكم الذي"قاسوا"عليه توليها للقضاء. فالذين"قاسوا"القضاء على:"الإمامة العظمى"التي هي الخلافة العامة على أمة الإسلام ودار الإسلام مثل فقهاء المذهب الشافعى قد منعوا توليها للقضاء، لاتفاق جمهور الفقهاء باستثناء بعض الخوارج على جعل"الذكورة"شرطا من شروط الخليفة والإمام، فاشترطوا هذا الشرط"الذكورة"- في القاضى، قياساً على الخلافة والإمامة العظمى.
ويظل هذا"القياس"قياساً على"حكم فقهى"- ليس عليه إجماع وليس"قياساً"على نص قطعى الدلالة والثبوت ..
والذين أجازوا توليها القضاء، فيما عدا قضاء"القصاص والحدود"مثل أبي حنفية" [80 150 هجرية / 699 767 م] وفقهاء مذهبه قالوا بذلك"لقياسهم"القضاء على"الشهادة "، فأجازوا قضاءها فيما أجازوا شهادتها فيه، أي فيما عدا"القصاص والحدود"."
فالقياس هنا أيضاً على"حكم فقهى"وليس على نص قطعى الدلالة والثبوت .. وهذا الحكم الفقهى المقيس عليه وهو شهادة المرأة في القصاص والحدود .. أي في الدماء ليس موضع إجماع .. فلقد سبق وذكرنا في رد شبهة أن شهادة المرأة هي على النصف من شهادة الرجل إجازة بعض الفقهاء لشهادتها في الدماء، وخاصة إذا كانت شهادتها فيها هي مصدر البينة الحافظة لحدود الله وحقوق الأولياء ..