ثم إن هذه القضية هي من"مسائل المعاملات"وليست من"شعائر العبادات".. وإذا كانت"العبادات توقيفية"تُلْتَمس من النص وتقف عند الوارد فيه، فإن"المعاملات"تحكمها المقاصد الشرعية وتحقيق المصالح الشرعية المعتبرة .. والموازنة بين المصالح والمفاسد فيها .. ويكفى في"المعاملات"أن لا تخالف ما ورد في النص، لا أن يكون قد ورد فيها نص ..
ومعلوم أن"الأحكام الفقهية"التي هي اجتهادات الفقهاء، مثلها كمثل الفتاوى، تتغير بتغير الزمان والمكان والمصالح الشرعية المعتبرة ..
فتولى المرأة للقضاء قضية فقهية، لم ولن يُغْلَق فيها باب الاجتهاد الفقهى الإسلامي ..
وثانيها: أن اجتهادات الفقهاء القدماء حول تولى المرأة لمنصب القضاء هي اجتهادات متعددة ومختلفة باختلاف وتعدد مذاهبهم واجتهاداتهم في هذه المسألة، ولقد امتد زمن اختلافهم فيها جيلاً بعد جيل .. ومن ثم فليس هناك"إجماع فقهى"في هذه المسألة حتى يكون هناك إلزام للخلف بإجماع السلف، وذلك فضلاً عن أن إلزام الخلف بإجماع السلف هو أمر ليس محل إجماع .. ناهيكم عن أن قضية إمكانية تحقق الإجماع أي اجتماع سائر فقهاء عصر ما على مسألة من مسائل فقه الفروع كهذه المسألة هو مما لا يُتَصَوَّر حدوثه حتى لقد أنكر كثير من الفقهاء إمكانية حدوث الإجماع في مثل هذه الفروع أصلاً. ومن هؤلاء الإمام أحمد بن حنبل [164 241 هجرية 780 855 م] الذي قال:"من ادعى الإجماع فقد كذب!".
فباب الاجتهاد الجديد والمعاصر والمستقبلى في هذه المسألة وغيرها من فقه الفروع مفتوح .. لأنها ليست من المعلوم من الدين بالضرورة أي المسائل التي لم ولن تختلف فيها مذاهب الأمة ولا الفِطر السليمة لعلماء وعقلاء الإسلام ..