وبدأ أولاً بأخف العقابين ، وهو التعذيب ؛ ثم أتبعه بالأشد ، وهو إذهاب المهجة بالذبح ، وأقسم على هذين لأنهما من فعله ، وأقسم على الإتيان بالسلطان وليس من فعله.
لما نظم الثلاثة في الحكم بأو ، كأنه قال: ليكونن أحد الثلاثة ، والمعنى: إن أتى بالسلطان ، لم يكن تعذيب ولا ذبح ، وإلا كان أحدهما.
ولا يدل قسمه على الإتيان على ادعاء دراية ، على أنه يجوز أن يتعقب حلفه بالفعلين وحي من الله بأنه يأتيه بسلطان ، فيكون قوله: {أو ليأتيني بسلطان مبين} عن دراية وإيقان.
وقرأ الجمهور: فمكث ، بضم الكاف ؛ وعاصم ، وأبو عمرو في رواية الجعفي ، وسهل ، وروح: بضمها.
وفي قراءة أبيّ: فيمكث ، ثم قال: وفي قراءة عبد الله: فيمكث ، فقال: وكلاهما في الحقيقة تفسير لا قراءة ، لمخالفة ذلك سواد المصحف ، وما روي عنهما بالنقل الثابت.
والظاهر أن الضمير في فمكث عائد على الهدهد ، أي غير زمن بعيد ، أي عن قرب.
ووصف مكثه بقصر المدة ، للدلالة على إسراعه ، خوفاً من سليمان ، وليعلم كيف كان الطير مسخراً له ، ولبيان ما أعطى من المعجزة الدالة على نبوته وعلى قدرة الله.
وقيل: وقف مكاناً غير بعيد من سليمان ، وكأنه فيما روي ، حين نزل سليمان حلق الهدهد ، فرأى هدهداً ، فانحط عليه ووصف له ملك سليمان وما سخر له من كل شيء ، وذكر له صاحبه ملك بلقيس وعظم منه ، وذهب معه لينظر ، فما رجع إلا بعد العصر.
وقيل: الضمير في فمكث لسليمان.