قال ابن عباس: يريد: لم يلبث إلا يسيرًا.
قال الفراء: ومعنى {غَيْرَ بَعِيدٍ} غير طويل من الإقامة، والبعيد والطويل متقاربان. وقال الزجاج: أي غير وقت بعيد.
وقوله: {فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} قال صاحب النظم: فيه محذوف على تقدير: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} حتى جاء (فَقَالَ) .
وقال الزجاج: المعنى: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} فجاء الهدهد فسأله سليمان عن غيبته، فقال: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} وحذف هذا؛ لأن في الكلام دليلًا عليه. ومعنى: (أَحَطتُ) علمتُ شيئًا من جميع جهاته.
قال ابن عباس: فأتاه الهدهد بحجة، فقال: اطلعتُ على ما لم تَطَّلِع عليه.
وقال مقاتل: علمتُ ما لم تعلم؛ يقول: جئتك بأمر لم تخبرك به الجنُ، ولم تعلم به الإنس، وبلغتُ ما لم تبلغه أنت ولا جنودك.
قوله تعالى: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} قرئ {مِنْ سَبَإٍ} بالإجراء، والتنوين. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو غير مجري.
قال الفراء: من أجرى فلأنه فيما ذكروا: رجل. قال: وسُئل أبو عمرو عن قراءته بغير إجراء، فقال: لست أدري ما هو، قال: وقد ذهب مذهبًا إذ لم يدر ما هو فلمَ يُجره؛ لأن العرب إذا سمت بالاسم المجهول تركوا إجراءه كما قال الأعشى:
وتُدفنَ منه الصالحاتُ وإن يُسئ ... يكن ما أساءَ النارَ في رأس كَبْكَبَا
فكأنه جهل كبكب.
وقال الكسائي: من جعله اسم ذكرٍ، رجلٍ أو غيره، أجراه، ومن جعله اسمًا مؤنثًا قبيلة أو مدينة، أو مكان لم يجره.
وأنكر أبو إسحاق على الفراء قولَه: الاسم إذا لم يُدرَ ما هو لم يُصرف؛ فقال: الأسماء حقها الصرف فإذا لم يعلم الاسم لمذكرٍ هو أم لمؤنثٍ فحقه الصرف حتى يُعلم أنه لا ينصرف؛ لأن أصل الأسماء الصرف، فكل ما لا ينصرف فهو يُصرف في الشعر.