قلت: الفرق بينهما أن الملأ أشراف القوم، ولم يوصفوا ثَمَّ بما وصف به القوم من قوله: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) } الآية، فناسب ذكر القوم هنا؛ ليعم هذا الوصف الكل، وذكر الملأ ثَمَّ.
13 -و {الفاء} في قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا} للإفصاح؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أنا بعثناه إلى فرعون وقومه في تسع آيات، وأردت بيان حالهم حين جاءهم موسى بآياتنا .. فأقول لك: لما جاءهم موسى بآياتنا التسع، وظهرت على يده حالة كون تلك الآيات {مُبْصِرَةً} ؛ أي: مستنيرة واضحة. وعبارة"الجمل"؛ أي: مضيئة إضاءة معنوية في كلها، وحسية أيضًا في بعضها؛ وهو اليد. اهـ. شيخنا.
فقوله: {مُبْصِرَةً} اسم فاعل أطلق على المفعول إشعارًا بأنها لفرط إنارتها ووضوحها للأبصار كانت بحيث تكاد تبصر نفسها لو كانت مما يبصر. {قَالُوا هَذَا} الذي جئت به يا موسى من الخوارق التي تشاهدها {سِحْرٌ مُبِينٌ} واضح سحريته؛ أي: فلما جاءت فرعون وقومه أدلتنا الواضحة المنيرة الدالة على صدق الداعي أنكروها، وقالوا: هذا سحر وخيال لا حقيقة له، بين لائح في أنه خيال يدل على مهارة فاعله، وحذق صانعه.
وقرأ علي بن الحسين وقتادة مبصرة بفتح الميم والصاد؛ أي: مكانًا يكثر فيه البصر.
14 -ثم بين أن هذا التكذيب إنما كان باللسان فحسب، لا بالقلب، فقال: {وَجَحَدُوا بِهَا} ؛ أي: وكذبوا بتلك الآيات بألسنتهم، ولم يقروا أنها من عند الله سبحانه، والواو: في قوله: {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} للحال؛ أي: وقد أيقنتها أنفسهم، وعلمتها قلوبهم وضمائرهم علمًا يقينيًا أنها من عند الله وليست بسحر؛ أي: كذبوها بألسنتهم حالة كون أنفسهم مستيقنة لها. قال أبو الليث: وإنما استيقنتها قلوبهم؛ لأن كل آية رأوها استغاثوا بموسى، وسألوا منه بأن يكشف عنهم، فكشف عنهم، فظهر لهم بذلك أنها من الله تعالى.