قلتُ: أتى هنا بلفظ {أَدْخِلْ} وهناك بلفظ {اسْلُكْ} ؛ لأن الإدخال أبلغ من السلوك؛ لأن ماضيه أكثر حروفًا من ماضي السلوك، فناسب {أَدْخِلْ} كثرة الآيات في قوله: {تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ} ؛ أي: معها مرسلًا إلى فرعون، وناسب {اسلك} قلتها، وهي سلوك اليد وضم الجناح المعبر عنهما بقوله: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} .
وقوله: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هاتان الآيتان المذكورتان؛ الأولى منهما تغيير ما في يده، وقلبها من جماد إلى حيوان، والثانية تغيير يده نفسها، وقلب أوصافها إلى أوصاف أخرى نورانية؛ أي: هما داخلتان في جملة تسع آيات، فتكون الآيات تسعًا بالعصا واليد؛ وهن: العصا، واليد البيضاء، والجدب في البوادي، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والدم، والضفادع، حالة كونك مبعوثًا بها {إِلَى فِرْعَوْنَ} اللعين {وَقَوْمِهِ} القبطيين، وقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} تعليل للبعث؛ أي: وإنما بعثناك إليهم بهذه الآيات التسع؛ لأن فرعون وقومه كانوا قومًا فاسقين؛ أي: خارجين عن الحدود في الكفران والعدوان؛ أي: خرجوا عما تقتضيه الفطرة ويوجبه العقل بادعاء فرعون الألوهية وتصديقهم له في ذلك.
والظاهر: أن قوله: {إِلَى فِرْعَوْنَ} متعلق بمحذوف حال من فاعل {أَلْقِ} و {أَدْخِلْ} ، وأن قوله: {فِي تِسْعِ} متعلق بمحذوف حال من مفعولهما؛ أي: ألق عصاك، وأدخل يدك حالة كون العصا واليد مع جملة الآيات التسع، فإن الآيات إحدى عشرة: العصا واليد، والفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمسة، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم، وحالة كونك مرسلًا بها إلى فرعون وقومه القبط إنهم كانوا قومًا خارجين عن ربقة الانقياد لأمري والعبودية لألوهيتي.
فَإِنْ قُلْتَ: قال هنا: بلفظ {وَقَوْمِهِ} ، وفي القصص بلفظ {وَمَلَئِهِ} فما الفرق بين الموضعين؟