قال بعضهم: واعلم أن أهل الدنيا في خسارة الآخرة، وأهل الآخرة في خسارة المولى، فمن لم يلتفت إلى الكونين ربح المولى. والمعنى: أي: إن الذين لا يصدقون بالآخرة وقيام الساعة، والمعاد إلى الله بعد الموت، وبالثواب والعقاب .. حببنا إليهم قبيح أعمالهم، ومددنا لهم في غيهم، فهم في ضلالهم حيارى تائهون، يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، لا يفكرون في عقبى أمرهم، ولا ينظرون إلى ما يؤول إليه سلوكهم. قال الزجاج: أي: جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه بأن جعلناه مشتهى بالطبع محبوبًا إلى النفس، أولئك الموصوفون هم الذين لهم سوء العذاب في الدنيا بقتلهم وأسرهم حين قتال المؤمنين، كما وقع في بدر، وهم في الآخرة أعظم خسرانًا مما هم فيه في الدنيا؛ لأن عذابهم فيها مستمر لا ينقطع، وعذابهم في الدنيا ليس بدائم، بل هو زائل لا بقاء له.
6 -ثم مهد سبحانه مقدمة نافعة لما سيذكره بعد ذلك من الأخبار العجيبة، فقال {وَإِنَّكَ} يا محمد {لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ} ؛ أي: لتعطى القرآن بطريق التلقية والتلقين. {مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} ؛ أي: من عند رب حيكم فيما دبره لخلقه. {عَلِيمٍ} بأحوال خلقه؛ أي: تلقن القرآن من عند الله سبحانه وتعالى بواسطة جبريل، لا من عند نفسك، ولا من تلقاء غيرك، كما يزعم الكفار. {لَدُنْ} بمعنى: عند، وتنوين الاسمين للتعظيم؛ أي: من عند حكيم؛ أيّ: حكيم وعليم، أيّ عليم، وفي تفخيمهما تفخيم لشأن القرآن، وتنصيص على طبقته - صلى الله عليه وسلم - في معرفة القرآن، والإحاطة بما فيه من الجلائل والدقائق، فإن من تلقى الحكم والعلوم من مثل ذلك الحكيم العلم يكون علمًا في رصانة العلم والحكمة، وفي الجمع بين الحكيم والعليم إشعارٌ بأن علوم القرآن منها ما هو حكمة كالعقائد والشرائع، ومنها ما ليس كذلك كالقصص والأخبار الغيبية.
والمعنى: أي وإنك أيها الرسول لتحفظ القرآن وتعلمه من عند حكيم بتدبير خلقه عليم بأخبارهم وما فيه الخير لهم، فخبره هو الصدق، وحكمه هو العدل، كما قال: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} .
قصص موسى عليه السلام