قال صاحب الظلال:(وفي تخصيص المؤمنين بالهدى والبشرى تكمن حقيقة ضخمة عميقة .. إن القرآن ليس كتاب علم نظري أو تطبيقي ينتفع به كل من يقرؤه ويستوعب ما فيه. إنما القرآن كتاب يخاطب القلب، أول ما يخاطب، ويسكب نوره وعطره في القلب المفتوح، الذي يتلقاه بالإيمان واليقين، وكلما كان القلب نديا بالإيمان زاد تذوقه لحلاوة القرآن، وأدرك من معانيه وتوجيهاته ما لا يدركه منه القلب الصلد الجاف، واهتدى بنوره إلى ما لا يهتدي إليه الجاحد الصادف. وانتفع بصحبته ما لا ينتفع القارئ المطموس. وإن الإنسان ليقرأ الآية أو السورة مرات كثيرة، وهو غافل أو عجول فلا تفضي له بشيء، وفجأة يشرق النور في قلبه، فتتفتح له عن عوالم ما كانت تخطر له ببال. وتصنع في حياته صنع المعجزة في تحويله من منهج إلى منهج، ومن طريق إلى طريق.
وكل النظم والشرائع والآداب التي يتضمنها هذا القرآن، إنما تقوم قبل كل شيء على الإيمان. فالذي لا يؤمن قلبه بالله، ولا يتلقى هذا القرآن على أنه وحي من عند الله
وعلى أن ما جاء فيه إنما هو المنهج الذي يريده الله. الذي لا يؤمن هذا الإيمان لا يهتدي بالقرآن كما ينبغي ولا يستبشر بما فيه من بشارات.
إن في القرآن كنوزا ضخمة من الهدى والمعرفة والحركة والتوجيه. والإيمان هو مفتاح هذه الكنوز. ولن تفتح كنوز القرآن إلا بمفتاح الإيمان. والذين آمنوا حق الإيمان حققوا الخوارق بهذا القرآن. فأما حين أصبح القرآن كتابا يترنم المترنمون بآياته، فتصل إلى الآذان، ولا تتعداها إلى القلوب، فإنه لم يصنع شيئا، ولم ينتفع به أحد .. لقد ظل كنزا بلا مفتاح).
(والسورة تعرض صفة المؤمنين الذين يجدون القرآن هدى وبشرى ... إنهم هم الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ...
يقيمون الصلاة .. فيؤدونها حق أدائها، يقظة قلوبهم لموقفهم بين يدي الله، شاعرة أرواحهم بأنهم في حضرة ذي الجلال والإكرام، مرتفعة مشاعرهم إلى ذلك الأفق الوضيء، مشغولة خواطرهم بمناجاة الله ودعائه والتوجه إليه.