أي أنه هو ذاته يهدي فهو بإعجازه وبلاغته وعباراته المحكمة، يهدي النفوس الطالبة للحق المهتدية التي تتجه إلى الحق، كما تتجه إبرة البوصلة إلى قطبها، فهو في ذاته هداية، وهو أيضا مشتمل على الهداية، ففيه دعائم التوحيد، وصور الكون الهادية، وآيات اللَّه البينات في الأحكام الشرعية، والمواعظ والعبر، وقصص الماضين من الأنبياء، وإن في قصصهم لعبرة لأولي الأبصار. والقرآن نور لَا يرى نوره إلا المبصر، وغذاء للأرواح، ولكن لَا يتغذى به إلا الأصحاء، وشفاء، ولكن لا يشفى به إلا من كان قابلا للشفاء، ولذا قال فيمن ينتفعون ببشراه، وهي الوصف الثاني الذي معناه أنه يبشر المؤمنين بالجنة والنعيم فقال: للمؤمنين.
وقد قال - عز من قائل - من بعد ذلك في التعريف بالمؤمنين.
(الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(3)
ذكر للمؤمنين أمورا ثلاثة هي:
الصفة الأولى: أنهم يقيمون الصلاة، أي يؤدونها، مستوفية أركانها الحسية والروحية، والمصلي يستشعر عظمة اللَّه تعالى وجلاله، ويحس أنه في حضرة اللَّه تعالى، وذلك كله يتضمنه معنى الإقامة؛ لأن الإقامة إقامة الشيء مستويا مستقيما
لا عوج فيه، ولا اضطراب، بل يتجه إلى أعلى اتجاها مسمتقيما، وفي ذكر إقامة الصلاة إشارة إلى المعاني الروحية في العبادات الإسلامية من صلاة وصوم وحج، فهو ابتداء تطهير للنفوس من أدرانها، وإقامة للعلاقات الإنسانية على هذه الطهارة من أدران الأحقاد والأضغان.
والصفة الثانية: أنهم يؤتون الزكاة، وهي الفريضة المادية الروحية، والتي يقوم عليها التعاون الاجتماعي بين الغني والفقير، ولذا سميت الزكاة بالماعون، أي ما يكون به العون، كما قال تعالى في وصف الضالين: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ(4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) .
والماعون هو الزكاة التي هي أساس للتعاون الإنساني.
والصفة الثالثة: وهي الأصل للأوليين، وهي الإيمان باليومِ الآخر، فهو لب الدين، وهو توجيه الإنسان إلى حقيقة معناه فقال سبحانه (وهُم بالآخرَة هُمْ يُوقِنُونَ) .