[وقال الكلبي: {يَا مُوسَى إِنَّهُ} إنَّ ذلك النور {أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ] فجعلا الكناية في (إِنَّهُ) عن النور. وهو فاسد من وجهين؛ أحدهما: أن النور لا يجوز أن يكون الله تعالى. والثاني: أن المذكور في القرآن النار، وكني عنها بالتأنيث كقوله: {فَلَمَّا أَتَاهَا} [لقصص: 30] وقوله: {وَمَنْ حَوْلَهَا} فلو كان الأمر على ما ذُكر لقيل: إنها؛ والصحيح: أن الكناية في قوله:
(إِنَّهُ) كناية عن الشأن والأمر، أراد: الشأن والأمر (أَنَا الله) وقد ذكرنا نظائر هذا عند قوله: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ} [الحج: 46] وفي مواضع.
وقال الفراء: هذه الهاء عماد، وهو اسم لا يظهر. وعلى هذا الهاء ليست بكناية، ولكنها عماد تذكر تأكيدًا.
10 -قوله: {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ} في الآية محذوف؛ تقديره: فألقاها فصارت حية تهتز {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ} وحذف فألقاها؛ لأنه ذُكِر في سورتين؛ الأعراف، والشعراء.
{كَأَنَّهَا جَانٌّ} قال الليث: الجانّ: حية بيضاء. وقال ابن شميل: الجانّ حية أبيض دقيق أملس لا يضر أحدًا، وجمع الجانّ: جنان.
وفي الحديث: نهى عن قتل جنان البيوت؛ وهي حيات بيض تكون في البيوت، لا تضر ولا تؤذي.
قال أبو إسحاق: المعنى: أن العصا صارت تتحرك كما يتحرك الجانّ حركة خفيفة وكانت في صورة ثعبان.
ونحو هذا قال ثعلب: شبهها في عظمها بالثعبان، وفي خفتها بالجانّ، فلذلك قال الله تعالى مرة: {كَأَنَّهَا جَانٌّ} ومرة: {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} [الأعراف: 107، والشعراء: 32]
وقيل: الاختلاف في التشبيه لاختلاف الحالين؛ فالجانّ عبارة عن أول حالها ثم لا تزال تزيد وتربو حتى تصير ثعبانًا عظيمًا.
قوله تعالى: {وَلَّى مُدْبِرًا} قال مقاتل: من الخوف من الحية {وَلَمْ يُعَقِّبْ} يعني: ولم يرجع.