إذن: ورود القصة في لقطات مختلفة متفرقة ليس عَجْزاً عن إيرادها مُسْتوفاة كاملة في سياق واحد ، ولو فعل ذلك لكان التثبيت مرة واحدة .
وهنا يقول الحق سبحانه: {إِذْ قَالَ موسى لأَهْلِهِ إني آنَسْتُ نَاراً} [النمل: 7] ، وفي موضع آخر يقول: {قَالَ لأَهْلِهِ امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً} [القصص: 29] وفي هذه الآية إضافة جديدة ليست في الأولى .
أما قوله تعالى: {فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً} [القصص: 29] أي: آنس في ذاته ، أمّا في الآيتين السابقتين فيخبر بأنه آنسَ ناراً ، إذن: كل آية في موقف ، وليس في الأمر تكرار ، كما يتوهمّ البعض .
فموسى عليه السلام يسير بأهله في هذا الطريق الوَعْر ويحلّ عليه الظلام ، ولا يكاد يرى الطريق فيقول لزوجته: {إني آنَسْتُ نَاراً} [النمل: 7] يعني: سأذهب لأقتبسَ منها ، ليهتدوا بها ، أو ليستدفئوا بها .
وطبيعي أنْ تعارضه زوجته: كيف تتركني في هذا المكان المُوحِش وحدي ، فيقول لها {امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً} [القصص: 29] يعني: أبقيْ هنا مستريحة ، وأنا الذي سأذهب ، فلربما تعرَّضت لمخاطر فكُوني أنت بعيداً عنها ، إذن: هي مواقف جديدة استدعاها الحال ، ليست تكراراً .
كذلك نجد اختلافاً طبيعياً في قوله: {لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} [القصص: 29] وقوله {سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} [النمل: 7] .
فالأولى {لعلي} [القصص: 29] فيها رجاء ؛ لأنه مُقبل على شيء يشكُّ فيه ، وغير متأكد منه ، وهو في هذه الحالة صادق مع خواطر نفسه أمام شيء غائب عنه ، فلما تأكد قال {سَآتِيكُمْ} [النمل: 7] على وجه اليقين .