فمَنْ أطاع الله وآمن به وأخذ بدلالته ، فكان الحق سبحانه يقول له: أنت استأمنتني على حركة حياتك وأطعتني في أمري ونهيي ، فسوف أخفف عنك وأُهوِّن عليك أمر العبادة وأُعينك عليها ، وهذه هي هداية المعونة التي قال الله عنها: {والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} [محمد: 17] .
وكذلك الكافر الذي لم يأخذ بهداية الدلالة والإرشاد ، واختار لنفسه طريقاً آخر يُعينه الله عليه ، ويُيسِّر له ما سعى إليه من الكفر ؛ لذلك يختم الله على قلوب الكافرين حتى لا يدخلها إيمان ولا يخرج منها كفر .
لكن الهداية هنا: أهي دلالة ، أم هداية معونة؟
نقول: هي هداية معونة ، بدليل قوله تعالى بعدها {وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 2] فما كانوا مؤمنين إلا لأنهم مهديون ، والبُشْرى لا تكون إلا للمؤمنين ، إذن: هي معونة للمؤمنين بأنْ يزيدهم هدايةً إلى الطريق السَّويّ ، وإلى جنات النعيم {نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا واغفر لَنَآ إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم: 8] .
ولو أن الهداية هنا بمعنى الدلالة التي تأتي للمؤمن والكافر لكانتْ بشرى وإنذاراً ، لكن الآية {وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 2] فتعيَّن أن يكون المعنى هداية المعونة وهداية البشرى .
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3)
المؤمنون هم أصحاب عقيدة الإيمان ، وهو أن تؤمن بقضية الحق الواحد الإله المختار الفاعل الذي له صفات الكمال ، تؤمن بها حتى تصير عقيدة في نفسك ثابتة لا تتزعزع ، والإيمان اعتقاد بالقلب ، وقَوْل باللسان ، وعمل بالجوارح ، فلا يكفي النطق باللسان ، إنما لا بد من أداء تكاليف الإيمان ومطلوباته ، وقمتها إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة وصَوْم رمضان ، والحج .