وسبق إنْ قال تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} [الحجر: 1] فمرة يقول {وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} [الحجر: 1] ومرة {وَكِتَابٍ مُّبِينٍ} [النمل: 1] ويأتي بالكتاب ويعطف عليه القرآن ، أو يأتي بالقرآن ويعطف عليه الكتاب ، مع أنهما شيء واحد ، فكيف إذن يعطف الشيء على نفسه؟
قالوا: إذا عطف الشيء على نفسه ، فاعلم أنه لزيادة وَصْف الشيء ، تقول: جاءني زيد الشاعر والخطيب والتاجر ، فلكلِّ صفة منها إضافة في ناحية من نواحي الموصوف ، فهو القرآن لأنه يُقرأ في الصدور ، وهو نفسه الكتاب لأنه مكتوب في السطور ، وهما معاً نُسمِّيهم مرة القرآن ومرة الكتاب ، أمّا الوصف فيجعل المغايرة موجودة .
ومعنى {مُّبِينٍ} [النمل: 1] بيِّن واضح ومحيط بكل شيء من أقضية الحياة وحركتها من أوامر ونواهٍ ، كما قال سبحانه: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38] .
وسبق أنْ حكينا ما حدث مع الإمام محمد عبده رحمه الله حينما كان في فرنسا ، وسأله أحد المستشرقين: تقولون إن القرآن أحاط بكل شيء ، فكم رغيفا في إردبّ القمح؟ فدعا الإمام الخباز وسأله فقال: كذا وكذا ، فقال المستشرق: أُريدها من القرآن ، قال الإمام: القرآن قال لنا: {فاسئلوا أَهْلَ الذكر إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] .
فهو كما قال تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38] .
ثم يقول الحق سبحانه: {هُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ}
هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)
الهدى: يأتي بمعنيين: بمعنى الدلالة على طريق الخير ، وبمعنى المعونة ، فمن ناحية الدلالة هو هُدىً للمؤمن وللكافر على حَدٍّ سواء ؛ لأنه دلَّ الجميع وأرشدهم ، ثم تأتي هداية المعونة على حسب اتباعك لهداية الدلالة .