الشهادة: تبين الشيء الحاضر ، فقولهم:"شهد زيد"فِي المعنى من قولهم:"حضر"وإن كان قد يفسر به ، ولما كان تبين الشيء على ضربين: تبين بالبصر ، وتنبين بالبصيرة ، والحضور على ضربين: حضور بالذات ، وحضور بالتصور ، صارت الشهادة تستعمل على أوجه بحسب ذلك ، فيقال ذلك لحصول قربة ومنزلة ، ومنه قليل: استشهد فلان"،"وهو شهيد"، كأنه حضر وتبين ما كان يرجوه ، واستعمال ذلك فيه كاستعمال القريب نحو قوله: {الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} ولهذه العنى قال: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ} ، وقال فِي الشهداء: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ، وقالوا:"أنا شاهد لهذا الأمر"، أي عارف به متصور له - إشارة إلي قولهم"لئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي"."
وقالوا:"شاهده"أي: ناصره ، وعلى نحوه قال [تعالى] : {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} وقالوا:"صحبك الله ، وأما الشهادة المتعارفة: فأصلها الحضور بالقلب والتبين ، ثم يقال ذلك إذا عبر عنه باللسان ، ولذلك متى أطلق لفظ الشهادة على ما يظهر من اللسان دون حصوله فِي القلب عد كذباً ، كقوله تعالى فِي المنافقين حيث قالوا: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} ، فكذبهم وقال: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} ثم يقال لكل ما يدل على شيء شهادة وإن لم يكن قولاً فقوله: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ} قد فسر على ما يقتضيه لفظ"
الشهادة ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما - معناه: أعوانكم ، وقال مجاهد: معناه الذين يشهدون لكم ، وقال غيرهما: أئمتكم نحو: {وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ} ، وكأنما عنى بذلك الكبير الذي لا يبرم أمراً من دونهم كقولهم:"فلان يحضر به النوادي وهو من أهل النجوى"وبضده هجى من قبيل فيه بيت:
مخلفون ، ويقضي الناس أمرهم ...
وهم بغيب وفي عمياء ما شعروا