ولما امتحن المكلف بالهوى من بين سائر البهائم وكان كل وقت تحدث عليه حوادث جعل فيه حاكمان حاكم العقل وحاكم الدين وأمر أن يرفع حوادث الهوى دائما إلى هذين الحاكمين وأن ينقاد لحكمهما وينبغي أن يتمرن على دفع الهوى المأمون العواقب ليتمرن بذلك على ترك ما تؤذي عواقبه وليعلم اللبيب أن مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذون بها وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها لأنها قد صارت عندهم بمنزلة العيش الذي لا بد لهم منه ولهذا ترى مدمن الخمر والجماع لا يلتذ به عشر معشار التذاذ من يفعله نادرا في الأحيان غير أن العادة مقتضية ذلك فيلقي نفسه في المهالك لنيل ما تطالبه به العادة ولو زال عنه رين الهوى لعلم أنه قد شقي من حيث قدر السعادة واغتم من حيث ظن الفرح وألم من حيث أراد اللذة فهو كالطائر المخدوع بحبة القمح لا هو نال الحبة ولا هو تخلص مما وقع فيه.
فإن قيل فكيف يتخلص من هذا من قد وقع فيه؟
قيل يمكنه التخلص بعون الله وتوفيقه له بأمور:
أحدها عزيمة حر يغار لنفسه وعليها
الثاني جرعة صبر يصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة
الثالث قوة نفس تشجعه على شرب تلك الجرعة والشجاعة كلها صبر ساعة وخير عيش أدركه العبد بصبره
الرابع ملاحظته حسن موقع العاقبة والشفاء بتلك الجرعة
الخامس ملاحظته الألم الزائد على لذة طاعة هواه
السادس إبقاؤه على منزلته عند الله تعالى وفي قلوب عباده وهو خير وأنفع له من لذة موافقة الهوى
السابع إيثاره لذة العفة وعزتها وحلاوتها على لذة المعصية
الثامن فرحه بغلبة عدوه وقهره له ورده خاسئا بغيظه وغمه وهمه حيث لم ينل منه أمنيته والله تعالى يحب من عبده أن يراغم عدوه ويغيظه كما قال الله تعالى في كتابه العزيز ولا يطؤن موطئا يغبط الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح وقال {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} وقال تعالى {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً}
أي مكانا يراغم فيه أعداء الله وعلامة المحبة الصادقة مغايظة أعداء المحبوب ومراغمتهم
التاسع التفكر في أنه لم يخلق للهوى وإنما هيئ لأمر عظيم لا يناله إلا بمعصيته للهوى كما قيل
قد هيأوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل