وهذا أظهر من قول من قال: مقرنين مكتفين ، ومن قول من قال: مقرنين: أي قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال ، والثبور: الهلاك والويل والخسران.
وقال ابن كثير: والأظهر أن الثبور يجمع الخسار والهلاك والويل والدمار. كما قال موسى لفرعون: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يافرعون مَثْبُوراً} [الإسراء: 102] أي هالكاً ، قال عبد الله بن الزبعرى السهمي:
إذا جارى الشيطان في سنن الغسى... ومن مال ميله مثبور. اهـ.
وقال الجوهري في صحاحه: والثبور الهلاك والخسران أيضاً ، قال الكميت:
ورأت قضاعة في الأيامن... رأي مثبور وثابر
أي مخسور وخاسر يعني في انتسابها لليمين. اهـ.
وقوله تعالى: {دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً} معنى دعائهم الثبور هو قولهم: واثبوراه ، يعنون: يا ويل ، ويا هلاك ، تعال ، فهذا حينك وزمانك.
وقال الزمخشري: ومعنى وادعوا ثبوراً كثيراً أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً ، إنما هو ثبور كثير ، إما لأن العذاب أنواع وألوان ، كل نوع منها ثبور ، لشدته وفظاعته ، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها ، فلا غاية لهلاكهم. اهـ.
تنبيه
اعلم أنه تعالى في هذه الآية الكريمة قال: مكاناً ضيقاً ، وكذلك في الأنعام في قوله تعالى: {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} [الأنعام: 125] وقال في هود: {وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} [هود: 12] فما وجه التعبير في سورة هود ، بقوله: ضائق على وزن فاعل ، وفي الفرقان والأنعام بقوله: ضيقاً على وزن فيعل ، مع أنه في المواضع الثلاثة هو الوصف من ضاق يضيق ، فهو ضيق.
والجواب عن هذا هو أنه تقرر في فن الصرف أن جميع أوزان الصفة المشبهة باسم الفاعل إن قصد بها الحدوث والتجدد جاءت على وزن فاعل مطلقاً ، كما أشار له ابن مالك في لامتيه بقوله:
وفاعل صالح للكل إن قصد... الحدوث نحو غداً ذا فارح جذلا
وإن لم يقصد به الحدوث ، والتجدد بقي على أصله.