وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله تعالى في سورة هود: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} [هود: 12] أريد به أنه يحدث له ضيق الصدر، ويتجدد له بسبب عنادهم وتعنتهم في قولهم: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} [هود: 12] ولما كان كذلك، قيل فيه: ضائق بصيغة اسم الفاعل، أما قوله: ضيقاً في الفرقان والأنعام فلم يرد به حدوث، ولذلك بقي على أصله.
ومن أمثلة إتيان الفيعل على فاعل إن قصد به الحدوث قوله تعالى: {وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} [هود: 12] وقول قيس بن الخطيم الأنصاري:
أبلغ خداشا أنني ميت ... كل امرئ ذي حسب مائت
فلما أراد حدوث الموت قال: مائت بوزن فاعل، وأصله ميت على وزن فيعل.
ومن أمثلته في فعل بفتح فكسر قول أبي عمرو أشجع بن عمرو السلمي يرثي قتيبه بن مسلم:
فما أنا من رزء وإن جل جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح
فلما نفى أن يحدث له في المستقبل فرح ولا جزع قال جازع وفارح، والأصل جزع وفرح.
ومثاله في فعيل قول لبيد:
حسبت التقى والجود خير تجارة ... رباحاً إذا ما المرء أصبح ثاقلاً
فلما أراد حدوث الثقل قال: ثاقلاً والأصل ثقيل، وقول السمهري العكلي:
بمنزلة أما اللئيم فسامن ... بها وكرام الناس باد شحوبها
فلما أراد حدوث السمن قال: فسامن والأصل سمين.
واعلم أن قراءة ابن كثير ضيقا بسكون الياء في الموضعين راجعة في المعنى إلى قراءة الجمهور بتشديد الياء لأن إسكان الياء تخفيف كهين ولين، في هين ولين. والعلم عند الله تعالى. انتهى انتهى. {أضواء البيان حـ 6 صـ}