وفي إرشاد العقل السليم أن الإشارة إلى ما اقترحوه من أن يكون له صلى الله عليه وسلم جنة يأكل منها {وجنات} بدل من {خَيْرًا} محقق لخيريته مما قالو لأن ذلك كان مطلقاً عن قيد التعدد وجريان الأنهار ، وتعلق ذلك بمشيئته تعالى للإيذان بأن عدم الجعل لعدم المشيئة المبنية على الحكم والمصالح ، وعدم التعرض لجواب الاقتراحين الأولين للتنبيه على خروجهما عن دائرة العقل واستغنائهما عن الجواب لظهور بطلانهما ومنافاتهما للحكمة التشريعية وإنما الذي له وجه في الجملة هو الاقتراح الأخير فإنه غير مناف للحكمة بالكلية فإن بعض الأنبياء عليهم السلام قد أوتوا في الدنيا مع النبوة ملكاً عظيماً انتهى ، وهذ الذي ذكره في الإشارة جعله الإمام الرازي قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وما ذكر أولاً استظهره أبو حيان وحكاه عن مجاهد ، وحكى عن ابن عباس أنها إشارة إلى ما عيروا به من أكل الطعام والمشي في الأسواق وقال: إنه بعيد ، وحكاه الإمام عن عكرمة وكأني بك تختار ما اختاره صاحب الإرشاد ، والظاهر أن {يَجْعَلْ} مجزوم فيكون معطوفاً على محل الجزاء الذي هو جعل وهو جزاء أيضاً وقد جيء به جملة استقبالية على الأصل في الجزاء ، فقد ذكر أهل المعاني أن الأصل في جملتي إن الشرطية أن تكونا فعليتين استقباليتين لفظاً كما أنهما مستقبلتان معنى ، والعدول عن ذلك في اللفظ لا يكون إلا لنكتة.