فإن قال المبتدئ: السلام عليك بحصر، فقال الراد وعليكم السلام، لأنه يريد وملكيه، يمنعه افراد المبتدئ من الجمع.
وإن قال المبتدئ: السلام عليكم بجمع، فقال الراد: وعليك السلام.
فهذا له وجه، لأنه يحيل المسلم في جواب الملكين عليهما.
وهذا روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال لعلي رضي الله عنه، وقد قال له: السلام عليكم، وعليك السلام، وكذلك في الثانية والثالثة والله أعلم.
فإن قال قائل: لم يكن رد السلام فرضاً، وإن كان تحية وبراً.
فقد أجمع المسلمون على أن من أهدى إلى مسلم هدية فقبلها لم يكن فرضاً عليه أن يجزيه بها خيراً منها ولا مثلها.
وإن كان يستحب له أن يجزى، فلم لم يكن رد السلام كذلك؟
قيل: لأن الأصل في السلام أنه كان إيمان، فإذا دعا لآخر بالسلامة، فقد أعلمه من نفسه أنه لا يريد به شراً، والأمان لا يتفرق حكمه بين اثنين.
فإن كل اثنين كان أحدهما آمناً من الآخر.
فواجب أن يكون الآخر آمناً منه.
فلا يجوز إذا سلم واحد على الآخر أن يسكت عنه فيكون قد أخافه وأوهبه الشر من نفسه.
ولذلك وجب عليه الرد، وليس هذا في الهدية هكذا، لأنها للألفة واستجلاب المودة.
وفي تعجيل المثوبة، دليل على التضجر والميل إلى إبطال ما عسى أن يتوهم وجوبه من النية.
فكان ذلك بالكراهية أولى منه بالوجوب والله أعلم.
فأما رد مثلها أو خير منها في وقت آخر مستحب، ولكنه لا تجب الآن الأولى كانت لاستجلاب المودة، وقد حصل ذلك حكم العادة، مضار الهادي أحب إلى المهدى إليه مما كان من قبل زمان المهدى إليه أيضاً لكان ما أخرجه من ماله إلى من أهداه إليه، أسعف به مما كان من قبل.
فحصل الحب بين الجانبين واستغنى بذلك من المجازاة، فإن لم تكن لم تضر والله أعلم.
وأيضاً إن رد السلام فرض من فروض الكفاية، فلأن السلام من البادئ به واحد.
فإذا رد أحد القوم عليه، فقد وصل إليه سلام مثل سلامه جزاءاً للسلام الذي كان منه.
فقضى ذلك حقه، ولا زيادة له عليه.
فإن قيل: فإنه إذا سلم عليهم كان له سلام على كل واحد منهم، وإذا رد عليه أحدهم فكأن كل واحد منهم رده عليه.
لأنه إنما يريد بقوله فيه: عليكم السلام، أي وعليك مثل سلامك.
فإذا كان سلامه على عشرة كان عليه سلام يوازي سلامه والله أعلم.
(فصل)
وأما معنى قول القائل: السلام عليكم فهو قضى الله عليكم بالسلامة مما تكرهون، والسلام والسلامة كالمقام والمقامة، والملام والملامة.